Register To SAHA 2026- Remayah Magazine
العقيد الركن م. ظافر مرادمقالات رأي

صفحات الصراع: إعادة تشكيل العلاقات الأمريكية والإيرانية

العقيد الركن م. ظافر مراد

تتجاوز مهارة الأطراف في السياسة التفاوضية ما يمتلكونه من أوراق، بل تكمن قوتهم في ما يختارون إخفاءه. هنا ينشأ السؤال الأهم: ما الذي يمكنك التخلي عنه وما الذي ستتمسك به مهما كانت الضغوط شديدة؟ هذا ينطبق بشكل مباشر على الصراع على النفوذ في الشرق الأوسط ومراكز القوة الإيرانية الحقيقية.

بعد تحقيق الأهداف العسكرية، ظنت الولايات المتحدة أنها قد حققت القوة اللازمة لفرض إرادتها. لذا، تحولت استراتيجيتها من “السحق” إلى “التآكل”. ورغم الضربات العسكرية التي دمرت القوات الإيرانية، لم تنجح الإدارة الأميركية في فرض هيمنتها. الانتقال إلى استهداف الجوانب الاقتصادية والسياسية عُدّ خطوة استراتيجية، حيث تم خلق ظروف تضعف الإرادة والقدرة القيادية الإيرانية.

نجحت الولايات المتحدة في نقل الضغط إلى مضيق هرمز، ليس كهدف عسكري مباشر، بل كاستراتيجية خنق، مما وضع إيران في حالة تهديد دائم دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة. هذا جعل مضيق هرمز ورقة ضغط مزعجة لطهران. مجرد التهديد بتدويل أمن الملاحة يمكن أن يحوّل أحد أهم أوراق القوة الإيرانية إلى نقطة ضعف.

رغم أن الصراع قد يبدو ظاهريًا حول التخصيب والملاحة، إلا أنه في العمق معركة لكشف القوة الحقيقية لإيران. تدرك إيران بوضوح أن برنامجها النووي، على الرغم من أهميته، ليس جوهر قوتها، بل قد يؤدي استخدام القنبلة النووية إلى انتحار استراتيجي. هذا، بجانب تهديدات مضيق هرمز، يجعل من هذه الورقة نقطة ضعف قانونيًا، إذ ستواجه أي محاولة لتعطيل الملاحة بإجماع دولي قوي ضدها.

تماشياً مع التغيرات الاستراتيجية، يتضح أن إيران لم تدخل مسار التفاوض للدفاع عن أوراقها بقدر ما سعت للضغط عليها. يمكن ضبط التخصيب وتخفيف حدة الملاحة، ولكن ما ترفض إزالته عن الطاولة هو شبكة الحلفاء والوكلاء في المنطقة. هذه الشبكة ليست مجرد وسيلة للنفوذ، بل تمثل جوهر العقيدة الاستراتيجية الإيرانية. إنها “القوة القابلة للاستخدام” التي تمنح طهران القدرة على القتال بدون التصدي بشكل مباشر، والضغط دون استهداف مباشر، والتفاوض من موقع قوة.

على مر السنين، قامت إيران بتأسيس ما يطلق عليه “نظام الانتشار غير التقليدي للقوة”، محوّلة الجغرافيا العربية إلى عمق عملياتي تحت سيطرتها. لقد جعلت الجماعات المسلحة أدوات مرنة تعيد تشكيل التوازنات، مما يمنحها القدرة على الرد والمبادرة والتحكم في إيقاع التصعيد والتهدئة حسب الحاجة.

وهنا يكمن سر الخداع الاستراتيجي في مسارات التفاوض. الولايات المتحدة تضغط في الأماكن التي تعتقد أن إيران ضعيفة، بينما إيران تتفاوض حيث تدرك أن بإمكانها التنازل. ما يجب أن تخشاه الولايات المتحدة ودول مثل إسرائيل والدول العربية الأخرى هو شبكة النفوذ الإقليمي المتمثلة في الوكلاء في لبنان والعراق واليمن. ومن المؤكد أن الولايات المتحدة على دراية بذلك، لذا بالتأكيد تعتمد على تحليل نقاط القوة الإيرانية لتفكيك مكامن تهديداتها. هذا ما يفسر طرحها للنقاط الـ 15 للتفاوض على كل قضية على حدة، ومع تناول الملف النووي والملاحة في هرمز، ستبرز ورقة الوكلاء كأولوية لاحقة.

بعد الضربات التي استهدفت قدراتها العسكرية، تصبح إيران أكثر توجهاً نحو إعادة تموضع استراتيجي بدلاً من المواجهة المباشرة. يعتمد هذا التموضع على معادلة واضحة: التخلي التكتيكي عن أوراق مكلفة مقابل الحفاظ على ورقة حاسمة. قد تتجاوز إيران بعض النقاط المتعلقة بالتخصيب وتخفف من سقف المطالب في هرمز، لكنها لن تتخلى عن وكلائها الذين تعتبرهم ضمانة لبقائها كلاعب إقليمي. في ظل ضغط الوقت، يتحول التفاوض إلى إدارة لإعادة توزيع الأوراق وإبعاد المخاطر القائمة.

الأهم من كل ذلك، ما تسعى إيران لتحقيقه هو ضبط الصراع بصورة مؤقتة وإعادة تعريف حدوده، وصياغة رواية تعكس قدرتها على البقاء. قد تفقد إيران بعض القدرات، لكنها لن تسمح بخسارة الرواية التي تأكّد على انتصارها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى