Register To SAHA 2026- Remayah Magazine
شركات دفاعيةشركات ومعارض دفاعيةخاص

منظومة الربح في صراعات الشرق الأوسط: كيف جنت شركات الأسلحة الأمريكية ثروات هائلة من الهجمات على إيران؟

من ارتفاع الأسهم في يوم واحد إلى طلب ميزانية تكميلية بمئات المليارات… تتبُّع لتدفق الأموال من دافعي الضرائب إلى خزائن “الخمسة الكبار”

قفزة سوقية مذهلة: مليارات في يومٍ واحد

مع بداية التداول يوم الإثنين 2 مارس/آذار 2026، ارتفعت أسهم موردي الأسلحة الأمريكيين بشكل جماعي، بعد يومين فقط من بدء الغارات الجوية على إيران. البيانات تظهر أن القيمة السوقية لأكبر شركات السلاح قفزت بين 5 و17 مليار دولار في جلسة واحدة. وكانت شركة آر تي إكس (ريثيون سابقاً) على رأس القائمة بارتفاع بلغ 17 مليار دولار، في حين أضافت نورثروب غرومان نحو 5.8 مليارات دولار ولوكهيد مارتن نحو 5.5 مليارات دولار، حسب تقرير عربي بوست.

هذا الارتفاع لم يكن مفاجئاً للمحللين، فقد كانت بوادره واضحة قبل اندلاع المواجهة. تحليل صادر عن وكالة رويترز أشار إلى أن مؤشر NYSE Arca الدفاعي شهد ارتفاعات متتالية خلال فبراير 2026 نتيجة لحشد عسكري أمريكي متزايد في المنطقة. خلال هذه الفترة، ارتفع سهم لوكهيد مارتن بنحو 40 بالمئة، بينما قفز سهم آر تي إكس بنسبة 6.6 بالمئة ليصل إلى 215 دولاراً، وسهم نورثروب غرومان بزيادة 6 بالمئة ليبلغ 768 دولاراً في الجلسة ذاتها.

لكن سرعان ما اصطدم هذا الزخم الأوّلي بديناميات السوق، حيث تراجع مؤشر NYSE Arca الدفاعي بنحو 8 بالمئة في مارس، متفوقاً على تراجع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 الذي فقد 5 بالمئة فقط. وقد أكد ديفيد بيانكو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة DWS الألمانية، أن جزءاً كبيراً من علاوة الصراع كان مُسعَّراً مسبقاً في تقييمات أسهم الدفاع قبل بدء الحرب فعلياً.

“الخمسة الكبار”: ترسانة البنتاغون وعمود الربحية

يسيطر على مجال الدفاع الأمريكي خمسة شركات عملاقة، وهي لوكهيد مارتن (الأكبر عالمياً)، وآر تي إكس (الرائدة في أنظمة الدفاع الجوي)، وجنرال داينامكس (عملاق الصناعات البحرية)، وبوينغ (المتخصصة في المقاتلات والمروحيات)، ونورثروب غرومان (التي تتخصص في القاذفات الاستراتيجية). تُعرف هذه الشركات في أوساط الصناعة بـ”الخمسة الكبار”.

أظهر تقرير شامل من معهد كوينسي، استناداً إلى بيانات البنتاغون من 2020 إلى 2024، أن القطاع الخاص حصل على عقود بحوالي 2.4 تريليون دولار، تمثل 54 بالمئة من إجمالي الإنفاق التقديري للبنتاغون. انحصرت العقود الكبرى للشركات الخمس في 771 مليار دولار، حيث برزت لوكهيد مارتن في المقدمة بـ313 مليار دولار، تليها آر تي إكس بـ145 مليار دولار، ثم جنرال داينامكس بـ116 مليار دولار، وبوينغ بـ115 مليار دولار، وأخيراً نورثروب غرومان بـ81 مليار دولار.

ماذا تبيع هذه الشركات للحرب على إيران؟

تُستخدم في العمليات العسكرية مجموعة واسعة من المعدات المتطورة، بدءاً من أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة إلى الطائرات المقاتلة. تعتمد الولايات المتحدة على هذه الشركات لتزويدها بالتكنولوجيا اللازمة لضمان تفوقها العسكري في أي صراع.

تُظهر بيانات القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) أن “الغضب الملحمي” يتضمن أكثر من عشرين نظام سلاح متنوع. في مقدمة هذه الأنظمة تأتي مقاتلات إف-35 الشبحية من لوكهيد مارتن، والتي تُعد العمود الفقري لعمليات اختراق المجال الجوي الإيراني، إلى جانب منظومة ثاد لاعتراض الصواريخ الباليستية. في يناير 2026، وقعت الشركة صفقة مع البنتاغون لزيادة إنتاج صواريخ ثاد الاعتراضية أربع مرات سنوياً، من 96 إلى 400 صاروخ، بتكلفة تقدر بحوالي 12.77 مليون دولار لكل صاروخ.

من جهة أخرى، تُوفر آر تي إكس البحرية الأمريكية بصواريخ ستاندرد الاعتراضية وأنظمة الدفاع باتريوت. كما حصلت في أغسطس 2025 على عقد بقيمة 3.5 مليار دولار لإنتاج صواريخ أمرام الجوية. بينما تدعم جنرال داينامكس الأسطول الأمريكي بمدمرات فئة آرلي بيرك، التي تطلق صواريخ توماهوك من بحر العرب.

أما بوينغ فتلعب دوراً رئيسياً في تزويد مقاتلات إف-15 إي إكس وذخائر الهجوم المباشر المشتركة (جي دام) ومروحيات أباتشي الهجومية. ومن ناحية أخرى، تدير نورثروب غرومان قاذفات بي-2 وبي-21 الاستراتيجية الشبحية، التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية.

تشير تقارير الجزيرة إلى أن القوات الأمريكية نشرت قاذفات بي-1 وبي-2 ومقاتلات إف-22 رابتور، إلى جانب طائرات الحرب الإلكترونية إي إيه-18 غراولر وطائرات الاستطلاع بي-8 بوسيدون خلال هذه العملية. وأُطلقت صواريخ “الضربة الدقيقة” (PrSM) لأول مرة ضد أهداف إيرانية من منصات هيمارس، مما يدل على أن ساحة المعركة أصبحت ساحة عرض لأحدث تقنيات المجمع الصناعي العسكري الأمريكي.

البيت الأبيض يدفع للمضاعفة: “ضاعفوا الإنتاج أربع مرات”

في 6 مارس 2026، عُقد اجتماع استثنائي في البيت الأبيض ضم الرؤساء التنفيذيين لأكبر الشركات الدفاعية، مثل لوكهيد مارتن وآر تي إكس وبوينغ ونورثروب غرومان وبي إيه إي سيستمز وإل ثري هاريس وهانيويل إيروسبيس. وبحسب رويترز، فأن الاجتماع ركز على ضرورة تسريع الإنتاج لتعويض المخزونات المستنزفة، نتيجة استهلاك العمليات في إيران كميات كبيرة من الذخائر.

وصف الرئيس ترامب الأسلحة المطلوبة بأنها من “الفئة الرفيعة”، فيما تعهدت الشركات بمضاعفة الإنتاج أربع مرات، وفقاً لتقارير الجزيرة. ولم يكن الضغط مقتصراً على التحفيز، بل لوّح البنتاغون بإجراءات عقابية تتمثل في إنهاء العقود مع الشركات التي تتقاعس عن تقديم خطط تصحيحية خلال 15 يوماً، مما يعني أن الحكومة الأمريكية تتعامل مع تعويض المخزونات كأولوية أمن قومي هامة، ما يُترجم لعقود ضخمة جديدة.

ما وراء إيران: مصادر ربح متعددة

لا تقتصر أرباح شركات الدفاع الأمريكية على العمليات ضد إيران وحسب، بل استفادت من تجارب مالية متنوعة خلال السنوات الأخيرة. تجاوزت المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل 18 مليار دولار في السنة الأولى بعد أكتوبر 2023، بينما بلغ إجمالي المساعدات العسكرية لأوكرانيا 65 مليار دولار منذ الغزو الروسي عام 2022 حتى 2025. كما حققت مبيعات الأسلحة العليا من الحلفاء الأوروبيين إيرادات تزيد عن 170 مليار دولار في عامي 2023 و2024 فقط، وفقاً لمعهد كوينسي.

لم تكن شركات السلاح الأمريكية الوحيدة المستفيدة، بل شهدت الشركات الدفاعية الأوروبية مثل بي إيه إي سيستمز البريطانية وساب السويدية وتاليس الفرنسية ارتفاعاً ملحوظاً في قيمتها السوقية، بدعم من موجة إعادة التسلح الأوروبية التي تسارعت بعد الغزو الروسي لأوكرانيا واستمرت مع تفاقم الصراع في إيران. ومع ذلك، تعرض قطاع الدفاع الأوروبي لضغوط في مارس بتراجع بنسبة 11%، ما يُعتبر أكبر خسارة شهرية منذ الجائحة، بسبب المخاوف من صدمة طاقة محتملة.

نظرة مستقبلية: السوق وأرباح الدفاع

يُظهر مؤشر قطاع الطيران والدفاع في ستاندرد آند بورز 500 مضاعف ربحية يبلغ حوالي 32 ضعفاً للأرباح المتوقعة خلال 12 شهراً، وهو ما يعد أعلى بوضوح من مضاعف المؤشر العام البالغ نحو 20 ضعفاً، وفقاً لبيانات LSEG. تُشير هذه التقييمات المرتفعة إلى أن السوق قد قامت بتسعير جزء كبير من التوقعات المستقبلية.

توقعات الإنفاق الدفاعي وتأثيرها

تراجعت التوقعات لنمو أرباح الشركات الدفاعية الكبرى لعام 2026، حيث انخفضت من حوالي 15% في بداية العام إلى 12% بنهاية مارس. هذا الانخفاض يُظهر التحديات الماثلة أمام الصناعة.

المحللون يتفقون على أن أي زيادة فعلية في الإيرادات ستحتاج إلى وقت للتحقق. ترجع هذه التأخيرات إلى طول دورات الإنتاج والقيود المفروضة على الطاقة الإنتاجية.

ووفقاً لسمير سمنا، رئيس الأسهم العالمية في ويلز فارغو، فإن تقديرات الأرباح لن تشهد زيادة ملحوظة إلا في حال امتد الصراع لفترة أطول أو إذا توسع بشكل ملموس.

تحليل الوضع الحالي

تظهر البيانات المتاحة بوضوح بنية عميقة في الاقتصاد السياسي الأمريكي: كل تصعيد عسكري يدعم دورة ربحية مغلقة، تبدأ من قرارات سياسية في البيت الأبيض، تمر عبر عقود البنتاغون، وتنتهي في ميزانيات الشركات الكبرى وأسهمها في وول ستريت. في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تمتزج خطوط النار مع مسارات التجارة العالمية، تتحول كل جولة تصعيد إلى فرصة استثمارية في صناعة الدفاع، بينما يتكبد المدنيون والاقتصادات الإقليمية أفظع الأثمان.

أسئلة مطروحة لصنّاع القرار

السؤال الجوهري الذي يواجه صنّاع القرار في المنطقة هو: في ظل هذه المعادلة التي تجعل من الحرب مشروعاً ربحياً رائداً، هل تمتلك آليات الدبلوماسية والضغط الدولي القدرة الكافية للحد من تصاعد آلة الحرب، خصوصاً عندما تتحول المليارات من حافز اقتصادي لإنهاء الصراع إلى محفز لإطالته؟

المصادر: عربي بوست، رويترز، الجزيرة، واشنطن بوست، سي إن إن، كريستيان ساينس مونيتور، بريكينج ديفنس، معهد كوينسي، ذا إنترسبت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى