
خاص – رماية
تكشف المعطيات المتاحة عن منظومة الرادارات العراقية حجمَ التحديات التي تواجه بغداد في إعادة بناء قدراتها للرصد والإنذار المبكر، بعد عقود من الحروب والعقوبات التي أدت إلى تآكل منظومتها الدفاعية الجوية.
تُعتبر بغداد اليوم مُزودة بثلاثة أنظمة رادارية رئيسية، وهي النظام الأمريكي TPS-77 بالإضافة إلى النظامين الفرنسيين GM403 وGM200. رغم هذا التنوع، فإن هناك قصورًا هيكليًا ملحوظًا في التغطية والجاهزية العملياتية، مما يثير تساؤلات ملحة حول استعداد العراق لمواجهة بيئة التهديدات المعقدة المتزايدة.
الرادار الأمريكي TPS-77: العمود الفقري المكسور
يُعتبر رادار TPS-77، المُنتَج من قِبَل شركة لوكهيد مارتن، حجر الزاوية في منظومة الإنذار المبكر العراقية. تصل مداه إلى 470 كيلومترًا، ويوفر تغطية ثلاثية الأبعاد بزاوية 360 درجة، مع قدرة على تعقب أهداف جوية متعددة في نفس الوقت ومقاومة فعالة للتشويش الإلكتروني.
لكن، خرج هذا النظام من الخدمة بعد تعرضه لضربة باستخدام طائرات مسيّرة، مما يبرز مشكلة أعمق تتعلق بفعالية الرادارات الثابتة أمام أساليب القتال الحديثة. هذا يطرح سؤالًا استراتيجيًا ليس فقط بشأن العراق، بل عن قدرة أنظمة الرادار التقليدية على الصمود في مواجهة التهديدات الجديدة والمتطورة.
ليس هناك أرقام رسمية متاحة حول قيمة عقود اقتناء رادار TPS-77، لكن تقديرات غير رسمية أشارت إلى أن عقد رادارين بلغ نحو 100 مليون دولار، مما يسلط الضوء على الكلفة الباهظة لأنظمة الرصد المتطورة.
الرادار الفرنسي GM403: البديل الموثوق بمدى استثنائي
يمثل رادار GM403 من شركة ثاليس الفرنسية الأداة الأكثر تقدما في منظومة الرصد العراقية. يتمتع بمدى كشف يبلغ 470 كيلومترًا، وقدرة على قياس الارتفاع والاتجاه والمسافة ثلاثية الأبعاد، إضافة إلى نظام إنذار مبكر للطائرات والصواريخ مع مقاومة متقدمة للتشويش الإلكتروني.
تعاقد العراق على صفقة بقيمة 160 مليون دولار للحصول على أربعة رادارات من هذا النوع، تم تسليمها جميعًا، مما يعني أن GM403 يُعتبر الآن الركيزة الأكثر جاهزية في المنظومة الرادارية العراقية. قدرته على تتبع عدد كبير من الأهداف الجوية المتزامنة تجعله مناسبًا لأجواء التهديد الكثيفة، وهي سمة بارزة في النزاعات الإقليمية الحالية.
الرادار الفرنسي GM200: الطموح الكبير والتسليم المتعثر
أظهر عقد GM200، كذلك من إنتاج ثاليس، الفجوة الكبيرة بين الطموحات العراقية وواقع التنفيذ. وقّعت بغداد عقدًا بقيمة 700 مليون دولار للحصول على 14 رادار GM200، ولكن لم تكتمل التسليمات حتى الآن، في ظل غياب أي إعلان رسمي عن الجدول الزمني النهائي للتسليم.
يتميز GM200 بمدى كشف يتراوح بين 250 و350 كيلومترًا، وشبه نفس قدرات إنذار مبكر التي يمتلكها شقيقه الأكبر GM403، مما يعكس طموح العراق في بناء منظومة رادارية قوية وفعالة.
تُشكل الطائرات المسيّرة تحدياً كبيراً، إذ يبقى مدى كشفها على ارتفاعات منخفضة محدوداً بالنسبة لمعظم الرادارات التقليدية، مما يحتم دراسة جدوى هذه المنظومة في مواجهة التهديدات الملحة في العراق.
تحليل شامل للمنظومة: الفجوات والقدرات
عند استعراض المنظومة الرادارية العراقية، يظهر أن هناك ثلاثة فجوات رئيسية تتطلب التركيز.
فجوة التغطية الجغرافية: الحدود العراقية تمتد لأكثر من 3600 كم، وتتواجد في بيئات تضاريسية متنوعة من جبال الشمال إلى صحراء الغرب. يتطلب تحقيق تغطية رادارية متكاملة زيادة في العدد المتاح حالياً، بالإضافة إلى تنسيق دقيق بين المنظومات المختلفة.
فجوة التصدي للتهديدات المنخفضة الارتفاع: تُعتبر المسيّرات نقطة ضعف حقيقية في أنظمة الرادار التقليدية. إذ تعمل هذه الطائرات على ارتفاعات منخفضة تتيح لها تفادي نطاق الكشف الفعّال للرادارات المصممة لمواجهة الطائرات الحربية التقليدية والصواريخ الباليستية.
فجوة التكامل مع نظم الدفاع الجوي: لا يُحقق الرادار قيمة كاملة إلا عند ارتباطه بأنظمة التدمير والاعتراض. لذا، يجب أن يُعتبر التقييم الشامل لقدرات الدفاع الجوي العراقي أعمق بكثير من مجرد تحليل الأرقام المرتبطة بالمدى ودقة الكشف.
الوضع الإقليمي: العراق في قلب المنافسات الكبرى
يحتل العراق موقعاً استراتيجياً حيث تتقاطع فيه مصالح القوى الكبرى. تمتلك الدول المجاورة أنظمة رادارية ودفاعية جوية متقدمة تفوق ما تملكه بغداد حالياً. التقارير تشير إلى أن إيران تمتلك رادارات من الأجيال الثالثة والرابعة تشمل أنظمة روسية الصنع، بينما تمتلك إسرائيل واحدة من أكثر المنظومات تطوراً في المنطقة.
في هذا السياق، الاستثمار العراقي في الرادارات الفرنسية والأمريكية هو خطوة ضرورية، لكنها وحدها لن تكفي لاستعادة توازن الردع الجوي بشكل كامل.






