
العقيد الركن م. ظافر مراد
بعد خروج دول الخليج، وخصوصاً قطر، من دورها التقليدي كوسيط في المفاوضات بعدما أصبحت طرفاً متضرراً من السلوك الإيراني، قامت كلا من مصر وباكستان ودول أخرى بتولي مهمة الوساطة سعياً لإنهاء النزاع القائم. وفي هذا الإطار، أبدى الرئيس الأمريكي ترامب تفاؤله بالوصول إلى اتفاق، مشيراً إلى شروطه القاسية لوقف النزاع، رغم نفي الجانب الإيراني لأي تواصل مع واشنطن. السؤال المطروح، هل يسعى ترامب بالفعل إلى تحقيق “وقفة عملياتية” كما طالبت وزارة الحرب، أم أننا نشهد بوادر نهاية للصراع وقبول من إيران بشروط الولايات المتحدة؟
إذا نظرنا إلى المؤشرات والأحداث الجارية، يبدو أن هناك مناورة سياسية تهدف إلى كسب الوقت، حيث يعرف ترامب أن إيران لن تقبل بشروطه. يُذكر أن التواصل يجري مع رئيس البرلمان الإيراني “محمد باقر قاليباف” المرتبط بقوة بالحرس الثوري. بينما تم استبعاد الرئيس الإيراني “مسعود بازشكيان” عن هذه المفاوضات، كونه معروفاً بخلفيته المدنية ونزعته الإصلاحية. أيضاً، غياب عباس عرقجي، المفاوض الرئيسي الإيراني، يزيد الأمور تعقيداً، فهو يعرف تماماً حدود التفاوض وما يمكن تقديمه لضمان بقاء النظام.
عند الانتقال إلى المسار العسكري والنشاطات الحالية، يبدو أن العمليات العسكرية تجري على قدم وساق، بمشاركة عدة دول غربية. بالإضافة إلى ذلك، تم نشر حوالي 3 آلاف عنصر من “المارينز”، موزعين عبر وحدات “MEU”، وهي مجموعات متخصصة في الهجمات البرمائية. الفرقة المجوقلة 82، المعروفة بكفاءتها العالية في العمليات المظلية، هي أيضاً في حالة تأهب للاستجابة لأي طارئ في المنطقة. هذه التحركات تشير إلى تحول جوهري في طبيعة المواجهات وتحديد الأهداف، مما قد يؤدي إلى زيادة مستوى القصف المركز خلال الأيام القادمة.
تمتاز القوات النوعية التي ستعمل تحت إمرة “القيادة المركزية الأمريكية – CENTCOM” بكونها تتواجد في مناطق استراتيجية شرق المتوسط والخليج العربي، مع التركيز بشكل خاص على منطقة الخليج. في إطار المهام المُتوقعة، هناك احتمالية لنشر قوات المارينز في لبنان والأردن بهدف حماية وتأمين مقرات السفارات والبعثات الدبلوماسية، بالإضافة إلى القواعد التي تحتضن النشاطات العسكرية الأمريكية. ويتضمن ذلك السيطرة على مناطق حساسة في حال ظهور تهديدات أو اضطرابات داخلية. كما ستُشارك هذه القوات في عمليات إجلاء الرعايا إذا لزم الأمر.
فيما يتعلق بإيران ومنطقة الخليج، تبرز احتمالات التدخل بشكل أكبر، مع وجود عدة مهام متوقعة، خاصة بالنسبة للفرقة المجوقلة 82. تشمل هذه المهام احتلال جزيرة خرج وبعض الجزر الإيرانية، والسيطرة على مناطق ساحلية هامة، فضلاً عن تعزيز وتأمين الحدود والأراضي لبعض دول الخليج في حالة تعرضها لهجمات من القوات الإيرانية عبر البر أو البحر.
يتضح أنه ما يُعتبر تفاوضًا في الوقت الراهن ليس سوى إعادة تأكيد على القرار قبل تنفيذه. حديث الرئيس الأمريكي ترامب عن إمكانية الفشل لا يدل على تحذير دبلوماسي، بل هو مؤشر على وجود معادلة جاهزة: إذا لم تسفر المفاوضات عن النتائج المرجوة، ستتولى قواتنا الباقي. هنا لا يُعتَبَر التصعيد نتيجة لفشل المفاوضات، بل هو الهدف الحقيقي من النقاشات، حيث يستخدم ترامب المفاوضات كوسيلة لاختبار مدى استعداد الخصم للانكسار، وليس للوصول إلى توافق. وعندما يتبين أن الخصم لم يُهزم بما فيه الكفاية، يتم التحول إلى عمليات حاسمة، وتصبح الهدنة علامة على بدء مرحلة جديدة، حيث يتحول الفشل الدبلوماسي إلى تحديد ساعة الصفر.






