
العقيد الركن م. ظافر مراد
مع دخولنا الأسبوع الرابع من الحرب الأميركية–الإسرائيلية–الإيرانية متعددة الجبهات، بدأ النقاش حول استدامة القدرات عند الأطراف المتصارعة. يجري الحديث هنا عن الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية وحلفائها، بالإضافة إلى ذخائر منظومات الدفاع الجوي لدى الولايات المتحدة وإسرائيل والدول الخليجية التي تتعرض لهجمات ماطرة من إيران. في هذه الأوقات العصيبة، أصبحت اللوجستيات تمثل جبهة خفية قد تحدد مصير المواجهة مبكراً، أو تطيل أمدها وتدخلها في دوامة الاستنزاف. هذه الظروف تتطلب تدخلاً حاسماً واستعدادًا لمخاطر كبيرة وتقديم تضحيات استثنائية، وذلك لوقف الاستنزاف وتحقيق الأهداف في فترات زمنية مناسبة. من المحتمل أن يؤدي هذا الوضع إلى تصعيد خطير في الأيام المقبلة، حيث سيشهد الأفق مواجهات مباشرة على الأرض في إيران ولبنان وربما في مناطق أخرى.
تستمر الحرب في مرحلتها الثالثة، وهي مرحلة اكتساب المبادرة من أجل الهيمنة الكاملة عسكريًا. من المتوقع أن تمتد هذه المرحلة لأسابيع أخرى، حيث تعد الآنية فاصلاً حاسماً يحدد نتائج الصراع ويحدد مسارات الأحداث وشروط إنهائه. السؤال الأكبر الذي يطرح نفسه في هذا التوقيت هو: كيف يمكن أن تعيد اللوجستيات تشكيل ميزان القوى في حرب ثلاثية غير متكافئة تشمل قوة عظمى مثل الولايات المتحدة، وقوة إقليمية متفوقة تقنيًا مثل إسرائيل، وقوة استثنائية صاعدة وتمثل تحديًا طائفياً كإيران وحلفائها؟
قبل تناول هذا السؤال، يجدر بنا الحديث عن طبيعة اللوجستيات في الحروب المعاصرة. لقد تحولت من الإمداد التقليدي إلى إدارة ذكية للسلاسل والممرات، تتفاعل بسرعة مع ظروف المواجهة ومتطلباتها. تأخذ اللوجستيات الحديثة بعين الاعتبار العلاقة بين الزمن اللوجستي والزمن العملياتي ومراحل الحملات. في هذا السياق، يمكن ملاحظة أن الولايات المتحدة وإسرائيل قد أعدتا خططًا لوجستية متكاملة تعتمد على قوة الانتشار الهائلة وقدرة التصنيع الضخمة للمتطلبات القتالية، فضلاً عن أساطيل النقل البحري والجوي التي لا تضاهى. في المقابل، قامت إيران بتوزيع قواعدها اللوجستية بشكل واسع، حيث تتواجد القواعد العملياتية المتعلقة بالصواريخ والطائرات المسيرة على أكثر من ألف قاعدة تحت الأرض، بعضها في أماكن لا تصل إليها أي تهديدات، مع إدارة لا مركزية للاستخدام باستثناء الصواريخ الفرط صوتية.
تعتمد اللوجستيات الأميركية، المعروفة بـ”إمبراطورية الإمداد”، على نقاط القوة المتمثلة في قواعدها المتعددة (مثل دييغو غارسيا، الخليج، وأوروبا) ووجود أساطيل النقل الاستراتيجي، مع قدرة على التخزين المسبق. لكن، يجب الانتباه إلى نقاط ضعفها التي تتعلق باعتمادها على خطوط إمداد طويلة وممرات بحرية مهددة. بينما تعتمد اللوجستيات الإسرائيلية على التخزين الاستراتيجي الكبير وإدارة المخزون، إلى جانب الإمداد من حلفائها، وأبرزهم الولايات المتحدة، مع نقاط ضعف تتمثل في ضيق العمق الاستراتيجي.
في سياق المناورة اللوجستية وتحديد مواقع القواعد الخلفية، تعاني إسرائيل من تناقص المساحة رغم وجود قوة عسكرية قادرة، بينما تتمتع إيران بميزة توزيع قواعدها اللوجستية على مساحات شاسعة. هذه اللامركزية تعزز من قدرتها على المرونة والسرية، إلا أن نقاط ضعفها تشمل الحصار والرصد المستمر لتحركاتها ونشاطاتها اللوجستية.
الجغرافيا باتت لاعباً أساسياً في هذا الصراع، حيث يظهر تأثيرها بشكل واضح من خلال خنق الطاقة في مضيق هرمز. تعتمد إيران على هذه القضية للضغط على المجتمع الدولي، ساعية إلى فرض التفاوض لوقف الحرب عبر إغلاق المضيق واستهداف منشآت الطاقة في دول الخليج بهدف خلق أزمة عالمية. لكن، على طهران أن تدرك أنها لا تستطيع البقاء على هذا النهج طويلاً، إذ أن حليفتها الصين هي الأكثر تأثراً بهذا الأمر، وقيامها بمهاجمة دول الخليج سيؤدي إلى ردود أفعال معادية وتهميش دولي. ستسعى القوى الغربية، التي كانت تفضل عدم الانخراط في الصراع، إلى دعم جهود محاربة هذه التهديدات.
حالياً، دخل أطراف النزاع في مرحلة “ترشيد الذخائر الحساسة”، حيث تقل شدة المواجهات وتتجه نحو الأهداف ذات القيمة العالية. تبدأ هذه المرحلة عادة عندما يتجاوز استهلاك الذخائر نسبة 50% من المخزون. في سياق حرب الاستنزاف الحالية، يدخل الفرقاء في ما يُعرف بـ “إدارة الاستنزاف الذكي”، حيث يركزون على تنفيذ استراتيجيات تعزز من قدرتهم على الاستمرار في الصراع. تتيح لهم “الوقفة العملياتية” تعويض الاستهلاك وإعادة تأهيل الوحدات وتنظيم القدرات استعداداً للمرحلة التالية.
تشير ملامح المرحلة الراهنة إلى حالة من الغموض نتيجة كثافة التحليلات المتناسقة والآراء المتباينة والتي تتركز حول استمرار الحرب والقدرة على الصمود. وعلى الرغم من ذلك، هناك ضرورة ملحة للحسم، إذ زادت الأصول العسكرية الضخمة التي وصلت وتصل إلى المنطقة. في حين تمكنت إيران من خنق ممر الطاقة وخلق أزمة عالمية، نجح ترامب في دفع الحلفاء الغربيين إلى التفكير بجدية في المشاركة في هذه الحرب.
يتجلى التركيز الأمريكي في المعركة مع إيران على وضع قيود شاملة على قدراتها النووية والباليستية، مع مراقبة صارمة لنشاطاتها العسكرية ودعمها للحلفاء في المنطقة. تعتمد الولايات المتحدة على “استراتيجية التآكل” التي تهدف إلى إزالة التهديدات بشكل نهائي. وفي موقفها القوي، تشير المؤشرات إلى احتمال مشاركة قوى غربية، بما في ذلك حلف الناتو، في مهام استراتيجية مثل تأمين مضيق هرمز.
فيما يتعلق بالجبهة اللبنانية، تعتمد إسرائيل على “استراتيجية السحق” لتدمير قدرات حزب الله، مستفيدة من دروس حروب سابقة، حيث تدرك أن القوة المتعددة الأبعاد ضرورية لنجاح الأهداف العسكرية. لذلك، تُعزز إسرائيل تواجدها العسكري على الحدود الشمالية، متوسعة منطقة العزل الخاصة بها، وتستعد لتنفيذ عمليات داخل العمق اللبناني باستخدام قنابل متطورة.
لقد أصبحت اللوجستيات عنصراً محورياً في الحرب، إذ تشكل الأساس الذي يُبنى عليه استمرارية القوة وقدرة الأطراف على القتال. إنها شرط أساسي لتحقيق أي انتصار.






