
خاص – رماية
لقد فرضت الطائرات المسيرة الانتحارية، وعلى رأسها عائلة “شاهد-136″، إعادة تقييم شاملة لعقائد الدفاع الجوي الحديثة. التحدي الحالي يتجاوز مجرد اكتشاف أو تدمير هذه الأهداف البطيئة والمحلقة على ارتفاعات منخفضة؛ إنه يتجلى في “المعادلة الاقتصادية” (Cost-to-Kill Ratio). استثمار ملايين الدولارات على صاروخ اعتراضي لإسقاط مسيرة تكلف 30 ألف دولار يُشكل عبئًا استراتيجيًا غير مستدام، ويصبح عبئًا لوجستيًا عند مواجهة هجمات الأسراب الكثيفة.
لقد أصبح هذا التحدي أولوية قصوى في الفعاليات العسكرية الكبرى؛ من معرض الدفاع العالمي في الرياض (WDS 2026) إلى (DIMDEX 2026) في الدوحة، وصولًا إلى آيدكس ومعرض دبي للطيران، حيث تسابقت الشركات العالمية لتقديم حلول تكسر هذه المعادلة وتوفر كفاءة ميدانية بتكلفة منخفضة.
العودة التكتيكية للمدفعية الذكية
ردًا على تكاليف الأسراب، نشهد العودة القوية للمدافع المضادة للطائرات (SPAAG) إلى سوق الدفاع، ولكن هذه المرة عبر ذخائر التشظي المبرمجة (Air-Burst) التي تُنشئ جدارًا معدنيًا كثيفًا في مسار الأهداف.
في هذا الإطار، برزت الصناعات التركية بقوة كمنافس مستقل؛ تجسد ذلك في نظام “كوركوت” من شركة أسيلسان ونظام “تولغا” من MKE، حيث يعتمد كلاهما على مدافع عيار 35 ملم وذخيرة ذكية. اللافت للنظر هو الهيكلية الطبقية لنظام “تولغا”، الذي يجمع بين التشويش الإلكتروني والاشتباك الحركي المتدرج، مما ساهم في توقيع صفقات تصديرية هامة مع دول عربية.
على الصعيد الأوروبي، تحافظ ألمانيا على ريادتها من خلال نظام “سكاي نكس” (Skynex) من راينميتال، الوريث التكنولوجي لـ”جيبارد”، الذي يستخدم ذخائر (AHEAD) وبنية شبكية مفتوحة، مما يجعله الخيار المثالي لحماية البنية التحتية الحيوية.
المرونة الآسيوية: الأنظمة الهجينة
في ظل بيئة تهديد مشابهة، طورت كوريا الجنوبية استراتيجيات لمواجهة الأسراب الرخيصة، حيث تقدم حلولًا تتلقى اهتمامًا متزايدًا في أسواق الشرق الأوسط. نظام (Biho) “النمر الطائر” من شركة (Hanwha) يمثل مثالًا رائعًا، حيث يمزج ببراعة بين مدافع مزدوجة عيار 30 ملم وصواريخ قصيرة المدى، مما يمنح القادة العسكريين مرونة في التصدي للتهديدات.
النهج الأمريكي: المعترضات المصغرة
تركز الاستراتيجية الأمريكية على ردم الفجوة بين الأنظمة الدفاعية التقليدية والصواريخ باهظة التكلفة من خلال استخدام معترضات منخفضة التكلفة وعالية الدقة. يُعد نظام “كايوتي” (Coyote) من شركة “رايثيون” نقطة تحول حقيقية في هذا المجال، حيث يُطلق هذا الصاروخ المصغر من منصات متعددة لتعطيل الأسراب، سواء من خلال القتل الحركي أو النبضات الكهرومغناطيسية.
كذلك، يساهم نظام “فامباير” (VAMPIRE) المقدّم من شركة (L3Harris) في تقديم حلول فعالة. باستخدام صواريخ “هيدرا 70” الموجهة بالليزر (APKWS)، يتم تقليل تكلفة الاعتراض إلى نحو 27 ألف دولار، وهو ما يعادل تقريباً التكلفة التقديرية لطائرة مسيرة مثل “شاهد”.
الابتكار في أسلحة الطاقة الموجهة
المحللون في مجال الدفاع يعتبرون أن أسلحة الطاقة الموجهة (DEW) تمثل “الرصاصة الفضية” لخفض التكاليف، حيث توفر “خزنة الذخيرة غير المحدودة” وتقلل من تكلفة الاعتراض إلى بضعة دولارات فقط. من بين الأنظمة البارزة، يأتي النظام التركي (ALKA) من “روكيتسان” الذي يدمج التشويش مع ليزر بقوة 50 كيلووات.
في كوريا الجنوبية، يُعتبر مشروع (Block-I) لمواجهة الطائرات المسيرة خياراً اقتصادياً، إذ تبلغ تكلفة الإطلاق حوالي 1.5 دولار لكل طلقة، مما يُعتبر كابوساً للمشغلين. كما تواصل المملكة المتحدة تطوير هذه التكنولوجيا عبر نظام (DragonFire) المستقبلي.
التعاون الأوروبي في الأنظمة المتقدمة
يميل التركيز الأوروبي، خصوصاً من قبل فرنسا وبريطانيا، إلى تطوير أنظمة مدفعية سريعة الاستجابة ذات كثافة نيرانية عالية. يُبرز نظام “رابيد فاير” (RapidFire) المُطور من قِبل “تاليس” و”نيكستر”، والذي يعتمد على مدفع عيار 40 ملم ويستخدم تكنولوجيا الذخيرة التلسكوبية (CTA). يوفر النظام قوة نيرانية هائلة مع القدرة على تدمير الطائرات المسيرة على مسافة تصل إلى 4000 متر، باستخدام توجيه كهروبصري صامت.
الخلاصة الاستراتيجية لأسواق الشرق الأوسط
في ظل التنافس الإقليمي، خصوصاً في الأسواق الدفاعية الكبرى كالمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، يتضح أن تأمين الأجواء لا يعتمد على شراء أنظمة فردية، بل يتطلب إنشاء شبكات دفاع جوي متعددة الطبقات (Layered Air Defense).
في هذا السياق التنافسي، تبرز الأنظمة التركية والكورية ليس فقط بسبب كفاءتها، ولكن أيضاً للمرونة التي تقدمها في برامج نقل التكنولوجيا (ToT) والتوطين الصناعي، مما يجعلها خيارات استراتيجية متفوقة على العروض الغربية التي تواجه قيود تصدير صارمة. لقد دخلنا في عصر يُقاس فيه تفوق أنظمة الدفاع الجوي بمدى “التحمل الاقتصادي النيراني” بقدر قياسه للدقة التكنولوجية البحتة.






