
العقيد الركن م. ظافر مراد
تمر الحملة العسكرية ضمن الفكر العملياتي الغربي بعمليات القوات المشتركة عبر سلسلة من المراحل المتنوعة، حتى الوصول إلى تعزيز السلطة الشرعية وتحقيق الاستقرار السياسي في منطقة العمليات. من خلال فهم هذه المراحل، يمكن تفسير الأنشطة والأفعال وردود الفعل التي يقوم بها أصحاب الصراع في المواجهات العسكرية.
تستخدم وزارة الحرب الأميركية وحلف الناتو هذا التسلسل في الفن العملياتي، وهو ما يتم تطبيقه أيضاً في الحرب على إيران. يمكن تلخيص هذه المراحل في ست خطوات رئيسية، كما يلي:
- مرحلة التهيئة (Shape): تشمل تشكيل البيئة الاستراتيجية قبل الحرب من خلال جمع المعلومات الاستخباراتية وبناء التحالفات، ونشر القوات وتحضير المجال السيبراني والإعلامي لجذب الجماهير.
- مرحلة الردع (Deter): خلال هذه المرحلة، يتم استخدام القوات العسكرية كوسيلة ردع لمنع تصعيد الخصم، من خلال نشر قوات بحرية وجوية وإرسال رسائل سياسية وعسكرية واضحة، وهو ما حدث أثناء فترة المفاوضات المتعددة بين الأطراف.
- مرحلة إمتلاك المبادرة (Seize the Initiative): تتشكل هذه المرحلة عند فشل الردع والتفاوض، حيث تبدأ شرارة الحرب مع توجيه ضربات دقيقة للأهداف الحرجة الخاصة بالخصم. في هذه الحالة، استهدف الجيش الأميركي القيادة السياسية الإيرانية، مما أثر سلباً على موقعها المعنوي.
- مرحلة الهيمنة العملياتية (Dominate): هذه هي مرحلة القتال الحاسم التي تجلب علامات النصر، حيث يتم هزيمة الخصم في المواجهات، مما يسهل الانتقال إلى العملية السياسية وتهيئة الظروف لوضع ما بعد الحرب.
- مرحلة تثبيت الاستقرار (Stabilize): بعد تدمير القوة العسكرية للخصم، تأتي مرحلة منع الفوضى من خلال حفظ الأمن وحماية البنى التحتية وإدارة الموارد. تشمل هذه المرحلة أيضاً فرض الشروط على القيادة الجديدة.
- مرحلة تمكين السلطة (Enable Civil Authority): المرحلة الأخيرة تركز على إعادة بناء المؤسسات وتسليم الأمن للسلطة المحلية، مما يؤدي لإنهاء الدور العسكري.
عند تطبيق هذا الفن العملياتي على التطورات الحالية في الشرق الأوسط، يتضح أن المسرحين الأكثر حساسية بالنسبة لإيران هما لبنان واليمن. على الرغم من عدم تحقيق النتائج بالكامل، يجدر الإشارة إلى أن إدارة كل من الجبهتين تخضع لاستراتيجيات مختلفة تتجاوز العوامل العسكرية.
تخوض إيران صراعاً معقداً على عدة جبهات، حيث تمثل جبهة لبنان عامل ضغط استراتيجي مهم ضد إسرائيل. على الرغم من الدعم اللوجيستي والاستخباراتي القوي الذي توفره الولايات المتحدة لإسرائيل، إلا أن جبهة لبنان تُعتبر أداة ردع استراتيجية بفضل عوامل متعددة مثل القرب الجغرافي وقدرات حزب الله العسكرية. هذه الجبهة تُدار بحذر بهدف الحفاظ على الزخم العسكري والاستمرارية في المواجهات.
في المقابل، تعد جبهة اليمن جبهة مختلفة تمامًا، حيث تُعتبر بمثابة مسار السيطرة على الممرات البحرية. قيمة هذه الجبهة ترتبط بمعايير استراتيجية تتعلق بالتحكم في مدخل البحر الأحمر وتهديد سلاسل الإمداد والتجارة العالمية. في هذا السيناريو، تُستخدم جبهة اليمن للضغط على الاقتصاد العالمي بالإضافة إلى الناعمة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل.
ومع ذلك، الهدوء في جبهة اليمن يعود لثلاثة أسباب استراتيجية رئيسية: الاحتفاظ بورقة التصعيد لاستخدامها في مراحل لاحقة من المواجهة، التركيز على المسرح الشرقي الذي يشمل غزة ولبنان والعراق وسوريا، وأخيرًا العلاقة مع السعودية ومصر. إيران تتحرك بحذر تجاه المملكة، متجنبة التصعيد في الوقت الحالي لمنع انهيار التفاهمات الأخيرة.
تستند استراتيجية إيران في هندسة الجبهات إلى إدراك التهديدات المحتملة، مع تقديم جبهة لبنان كخط مواجهة معقد، بينما يُعتبر العراق جبهة استنزاف، وجبهة اليمن وسيلة ضغط اقتصادية. في حال احتدت الأوضاع، قد تفتح جبهة اليمن بشكل أكبر، مما سيغير مجرى الصراع بالكامل، خاصةً مع التهديدات المحيطة بمضيق هرمز.
إذا لم يتغير الوضع، فإن ردود أفعال إسرائيل في لبنان ستكون حاسمة. يُتوقع اجتياح العمق اللبناني للسيطرة على مخزون حزب الله الاستراتيجي، مما يستدعي تحركات عسكرية متقدمة متعددة تشمل الضربات الجوية والعمليات الخاصة بطراز وحدات النخبة الإسرائيلية. هذه العمليات تهدف إلى تحقيق نتائج استراتيجية تتماشى مع الاتجاهات العسكرية.
من الواضح أن الولايات المتحدة والدول الغربية تدرك تماماً الوضع الاستراتيجي في اليمن ولبنان، حيث يستعدون لتمديد الحرب هناك. الزيادة في تعزيز القوات العسكرية، بما في ذلك إرسال حاملة الطائرات الأميركية الثالثة، تشير إلى تصعيد محتمل في الأيام القادمة، مما يؤكد ضرورة تعزيز الهيمنة العسكرية عبر مسارح العمليات الممتدة من إيران إلى العراق ولبنان واليمن.






