
لطالما كانت المدفعية تُعتبر بمثابة “آلهة الحرب” في العقيدة العسكرية الشرقية، لكن معادلات الحرب الحديثة، بدروسها الجسيمة والمتجددة، فرضت واقعًا مختلفًا يتطلب الابتكار.
تغييرات جذرية في العقيدة القتالية
خلال فعاليات “معرض الدفاع العالمي 2026” المنعقد في الرياض من 8 إلى 12 فبراير، قامت شركة “روزوبورون إكسبورت” الروسية بإزاحة الستار عن أحدث ابتكاراتها، راجمة الصواريخ “سارما” عيار 300 ملم والذخائر المتسكعة الذكية “RUS-PE”. هذا الكشف لا يمثل مجرد عرض تقني، بل يؤشر على تحول نوعي في الفلسفة القتالية لعالم الدفاع الروسي، حيث يجمع بين القدرة النارية الكبيرة والذكاء الاصطناعي.
التاريخ الروسي للراجمات، من “كاتيوشا” إلى “سميرتش”، قد ركز دائمًا على الكثافة النارية، ولكن التطورات في “سارما” تشير إلى تحولٍ نحو القوة الدقيقة. إذ تم تصميم هذا النظام بناءً على تجارب من ميادين القتال، مما يعكس استجابة متقدمة للتحديات المعاصرة.
من “الإغراق الناري” إلى “الدقة الجراحية”
تجسد “سارما” تطورًا هندسيًا يتماشى مع الحاجة للبقاء في بيئة تكتظ بالتهديدات. تشير البيانات التقنية إلى قدرة العربة على التمركز وإطلاق صلية كاملة من 6 صواريخ خلال 18 ثانية، قبل الانسحاب في خلال 3 دقائق، مما يحسن من فرص عدم استهدافها.
القوة الميدانية والتكامل الفعال
عند التعمق في الجوانب التقنية، نجد أن “سارما” تتمتع بقدرة فائقة على المناورة، حيث يمكنها الوصول إلى سرعة 95 كم/ساعة على الطرق المعبدة. بالإضافة إلى ذلك، تم تجهيز العربة بمقصورة مدرعة لحماية الطاقم من الألغام والشظايا والرصاص.
ما يميز “سارما” هو قدرتها على إطلاق صواريخ 300 ملم غير الموجهة، بالإضافة إلى عدة أنواع من الصواريخ الموجهة بمدى يصل إلى 120 كم. هذا يسمح للقادة الميدانيين باتخاذ قرارات استراتيجية تتناسب مع الموقف القتالي.
أكثر من ذلك، تُعتبر “سارما” جزءًا من نظام متكامل للاستخبارات والضربات، حيث يتعاون مع طائرة “Supercam S350” بدون طيار ونظام القيادة والسيطرة “Planshet-A”، مما يُعزز من فعالية العمليات العسكرية ويقلل من فترة بقاء الأهداف المعادية آمنة.
الابتكار في الذخائر: RUS-PE
على الجانب الآخر، قدمت “مجموعة كلاشينكوف” نظام “RUS-PE”، الذي يمثل أول ذخيرة متسكعة تُنتج محليًا. هذه الذخيرة تأتي بنسختين وبوزن حربي يتراوح بين 1 و2 كجم، إذ تتمتع بقدرات ذكاء اصطناعي متطورة، مما يتيح لها اكتشاف وتمييز الأهداف بشكل تلقائي.
مستقبل الحروب المتطورة
تشهد التقنيات الحديثة تطوراً مذهلاً، حيث أصبحت القدرة على اتخاذ قرارات الاشتباك ذاتياً بناءً على معلومات مسبقة دون الحاجة لتدخل بشري فوري واحدة من أبرز التحولات. هذا التقدم يمهد الطريق لحروب الأسراب والاشتباكات الذاتية، مما يقلل من التأثيرات السلبية للتشويش الإلكتروني الذي يمكن أن يفصل بين المشغل والطائرات بدون طيار.
الرسائل الجيوسياسية للصناعة الروسية
اختيار الرياض كمكان للكشف عن هذه التقنيات الرائدة يحمل دلالات استراتيجية تعكس توجه روسيا نحو تعزيز شراكاتها في منطقة الشرق الأوسط. يظهر هذا أن القطاع الدفاعي الروسي قادر على تلبية الاحتياجات المحلية للجيش الروسي، مع إمكانية التصدير للحلفاء الاستراتيجيين، متجاوزاً العقوبات الغربية والضغوط الاقتصادية. هذه رسالة قوية تؤكد أن الصناعة العسكرية الروسية تعمل بأقصى طاقتها، وبتقنيات تنافس بل وتتفوق في بعض المجالات على التكنولوجيا الغربية.
نحو مستقبل مؤتمت للحرب
ما نشهده في معرض الدفاع العالمي 2026 في الرياض يتجاوز كونه مجرد تحديث للأسلحة؛ إنه إعلان عن بداية عصر جديد للحرب الهجينة، حيث تدمج بين القوة التدميرية التقليدية (مثل راجمات سارما) وذكاء اصطناعي مستقل (كما هو الحال مع مسيرات RUS-PE).
أثبتت المعارك الحديثة أن النجاة للأسرع والأدق والأكثر تكاملاً. ومع دخول هذه الأنظمة السوق العالمية، يتوجب على جيوش المنطقة والعالم إعادة تقييم استراتيجياتها الدفاعية. والسؤال المحوري الآن لصناع القرار العسكري هو: هل تستطيع أنظمتكم الدفاعية الحالية مواجهة أسراب الذخائر المتسكعة المستقلة أو راجمات الصواريخ التي تستطيع الضرب والاختفاء في أقل من ثلاث دقائق؟ إن الإجابة على هذا السؤال قد تحدد من سيكون المنتصر في حروب المستقبل.







