
خاص – رماية
تحليل التقرير السنوي لمؤسسة “غلوبال فاير باور” لعام 2026
مع صدور تقرير “غلوبال فاير باور” (Global Firepower – GFP) لعام 2026، تتجدد مناقشات الأرقام العسكرية. كما هو متوقع، تواصل القوى الكبرى تصدرها الساحة، مستندة إلى ميزانيات ضخمة وترسانة متنوعة. لكن يجب أن نفهم أن مؤشر القوة النارية (PwrIndx) يعد مجرد هيكل يحتاج إلى تحليل معمق. الأرقام تعكس ما تمتلكه الدول، لكنها لا توضح كيفية استخدامها، وهو ما يكشف الفجوة بين الإحصائيات والواقع العملي.
المثلث النووي: هيمنة العدد مقابل فعالية الأداء
وفقًا لبيانات GFP، تحتفظ الولايات المتحدة وروسيا والصين بمراكز الصدارة. ومع ذلك، هناك تحديات تلوح في الأفق لكل منهم.
1. الولايات المتحدة (المركز الأول): تساؤلات حول الاستدامة رغم تفوقها بميزانية دفاع تفوق 900 مليار دولار، فإن واشنطن تواجه تحديات لوجستية متزايدة. برامج وزارة الدفاع تشير إلى محاولات تقليل الاعتماد على سلاسل الإمداد الطويلة، لكن هذه الجهود لا تزال في مراحل تجريبية. يبقى السؤاحف محوريا: هل يمكن للميزانية الضخمة تعويض الانخفاض في المخزونات في حالة نشوب صراع طويل الأمد؟
2. روسيا (المركز الثاني): الجدلية بين الكم والكيف تحتفظ روسيا بمكانتها، لكن التركيز على المخزونات الاحتياطية يثير القلق، إذ أن جزءًا كبيرًا منها يعود لحقبة الاتحاد السوفيتي. التحولات نحو “اقتصاد الحرب” تعزز القدرة على الحصول على المعدات، لكن استنزاف الموارد قد يؤثر سلبًا على التقدم التكنولوجي في المستقبل.
3. الصين (المركز الثالث): قوة بحرية وتحديات جغرافية تتميز بكين بتقليص الفجوة في القوات البحرية، بفضل دخول حاملات طائرات جديدة وتطوير قدرات “منع الوصول”. ومع ذلك، لا يزال هناك تساؤل حول قدرتها في مواجهة القوة البحرية الأمريكية، إذ تفتقر الصين إلى شبكة القواعد العالمية وخبرة العمليات في المياه البعيدة، مما يجعلها قوة إقليمية بشكل أساسي.
ما لا يجسده المؤشر: “الصناديق السوداء” في المعارك
من المهم ملاحظة أن منهجية Global Firepower تعتمد بشكل كبير على البيانات الكمية، مما يترك فجوات تحليلية يجب سدها:
- الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة: لا يوفر المؤشر معيارًا دقيقًا لقياس فعالية الذكاء الاصطناعي في المعارك أو كفاءة أسراب الطائرات المسيّرة، على الرغم من أنها أصبحت عوامل تضخيم القوة.
- العوامل البشرية: بينما تحصي الأرقام عدد الجنود، إلا أنها لا تقيس جودة التدريب أو الروح المعنوية، وهي عوامل حيوية أثبتت الأحداث التاريخية أنها قد تؤثر على أداء الجيوش بشكل كبير.
القوى الصاعدة: رؤية جديدة للصناعة كخط دفاع
في عام 2026، تبرز دول جديدة تعتمد على توطين الصناعة العسكرية كصمام أمان للأمن القومي:
- كوريا الجنوبية (من بين الخمسة الكبار): تفخر سيول بتقدمها ليس فقط من حيث عدد دباباتها، بل أيضاً بقدرتها الصناعية الكبيرة. أصبحت كوريا الجنوبية مزوداً رئيسياً للأسلحة مثل دبابات K2 ومدافع K9 لدول الناتو. المحللون يرون أن هذه القدرة التصديرية تعكس وجود خطوط إنتاج جاهزة للعمل بكامل طاقتها أثناء الأزمات، مما يمنحها عمقاً صناعياً يتفوق على دول أوروبية تقليدية تعتمد على الاستيراد.
- الهند: تعزز موقعها كالقوة الرابعة عالمياً بفضل عدد سكانها الكبير ومحاولات تنويع مصادر التسليح للحد من الاعتماد التاريخي على موسكو، رغم معوقات البيروقراطية العسكرية التي تعرقل التسريع في التحديث.
أوروبا والشرق الأوسط: مراجعات استراتيجية
- أوروبا: تظهر بيانات 2026 تحسناً طفيفاً في ترتيب دول مثل ألمانيا وبولندا نتيجة لزيادة ميزانيات الدفاع. ومع ذلك، تحويل التمويل إلى قدرات عسكرية جاهزة يتطلب وقتاً طويلاً، ولا تزال الجيوش الأوروبية تعاني من تجزئة في نظم التسليح ونقص في المخزونات الاستراتيجية.
- الشرق الأوسط: تحافظ تركيا على موقعها المتقدم بفضل صناعاتها الدفاعية المستقلة نسبياً، بينما تستمر مصر والسعودية في التألق في مشهد القوة النارية والميزانيات. التحدي الحقيقي الآن هو القدرة على الصيانة والتشغيل ضمن منظومات قيادة حديثة موحدة.
خلاصة: هل نحن نشهد مفهوماً جديداً للقوة؟
في الختام، يُظهر ترتيب “غلوبال فاير باور” لعام 2026 صورة واضحة للقدرات النظرية للدول، ولكن يجب التعامل معها بحذر. الحرب الحديثة لم تعد مجرد منافسة عددية بين الدبابات.
تشير الاتجاهات إلى أن المستقبل قد ينتمي للأكثر مرونة، والقدرة على تعويض الخسائر بسرعة (عبر التصنيع) ودمج التكنولوجيا المدنية في المجال العسكري وسرعة اتخاذ القرار هي العوامل التي قد ترجح الكفة في أي صراع قادم. لذا، السؤال الأهم لعام 2026 ليس “من يمتلك أكبر جيش؟”، بل “من يمتلك الجيش الأكثر قدرة على التكيف والبقاء؟”.







