Register To WDS
العقيد الركن م. ظافر مرادمقالات رأي

أسرار “حرب الظلال” في البنتاغون: هل تلوح ساعت الصفر للتصادم مع إيران?

العقيد الركن م. ظافر مراد


تشغل التوقعات حول المواجهة المرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران العالم بنقاشاته العسكرية والاستراتيجية. يعتبر الكثير من هذه التحليلات أمنيات تعكس مصالح الجهات التي تصدرها، بعيداً عن الموضوعية والمنطق العلمي. تكمن المشكلة الأكبر في عدم فهم آليات التحضير لحملات كبرى التي تدار في مراكز تصميم القرار داخل البنتاغون، والتي تتطلب تنسيقًا معقدًا وسريًا. إن نجاح هذه الحملة يعتمد على توافق الأهداف العسكرية مع الأهداف السياسية، حيث لا يمكن ترك القرار solely military أو السياسي فقط.


تُستخدم أدوات مثل “لعبة الحرب” لاختبار الخطط العسكرية قبل تنفيذها. تُعتبر لعبة الحرب أداة محورية في التخطيط العسكري، حيث تحاكي مجريات معركة متوقعة. تشمل هذه العملية دراسة الأداء العسكري في كلا السيناريوهين: الهجوم والدفاع، مع الأخذ بعين الاعتبار المستويات التكتيكية، التشغيلية والاستراتيجية وأبعاد النجاح المرتبطة بكل مستوى.

تجري اللعبة من خلال مواجهة سيناريوهات العمل الأفضل للصديق ضد سيناريو العمل الأكثر احتمالاً للعدو. تُعتبر الاستراتيجيات القتالية المختلفة مهمة، حيث يتواجد فيها أنواع من الأسلحة مثل الكيميائية أو النووية. تهدف لعبة الحرب إلى اختبار ردود أفعال العدو وقدراته وفق عقيدته القتالية. في هذا السياق، يلعب ركن التخطيط والعمليات دور القوى الصديقة، بينما يقوم ركن الاستعلام والاستخبارات بدور العدو. من خلال هذه اللعبة، يستطيع القادة تحديد نقاط القوة والضعف في خططهم، مما يساعد في إعداد القوات بشكل جيد وأكثر فاعلية.

تهدف لعبة الحرب إلى كشف الثغرات في الخطة العسكرية وتقييم فعالية العنصر اللوجستي. يتم التركيز على مراحل العملية وتوقيتاتها، بالإضافة إلى تحديد نقاط القرار الحرجة حيث قد يحتاج القائد لتعديل خطته وفقاً للظروف المتغيرة. بعد انتهاء اللعبة، تُقيم الخطط وتُحدث التعديلات اللازمة لجعلها جاهزة للتنفيذ وتلافي أي عوامل قد تؤدي إلى الفشل.


تُعتبر لعبة الحرب على المستوى التكتيكي منصّة تستخدم فيها العناصر الطبيعية مثل التضاريس وخصائص الأسلحة وسرعة الحركة والتوقيتات، بالإضافة إلى تحليل ردود فعل العدو والدعم الناري. هي حقاً ساحة تُتيح فرصة للخسارة على أمل الانتصار في المعركة الفعلية.

تتطور أدوات ولعبة الحرب على كلا المستويين العملياتي والاستراتيجي، حيث تتحول المناورات من التركيز على الوحدات الصغيرة والمواقع القتالية إلى جبهات شاملة تستدعي التنسيق بين القوات والحلفاء والإرادات السياسية. في هذا الإطار، تجمع “لعبة الحرب على المستوى العملياتي” بين جوانب التكتيك والاستراتيجية، حيث يُختبر الانتقال بين الوحدات الكبرى، السيطرة على المناطق الحيوية، وتأمين خطوط الإمداد اللوجستي، مع ضرورة استيعاب ظروف الصمود والبقاء خلال الأزمات.

أما عن المستوى الاستراتيجي، الذي يرتبط مباشرة بالإرادة السياسية لقادة الدول، فهو يتجاوز التفاصيل القتالية. في هذا السياق، يتحول السؤال من كيفية الفوز بالمعركة إلى كيفية تحقيق النصر في الحرب، وما إذا كان هذا النصر يتطلب وجود قوات على الأرض. يُجري مسؤولو البنتاغون سيناريوهات متكاملة لتحديد المسار الأنسب.

تشكل “لعبة الحرب الاستراتيجية” إحدى أهم مراحل اتخاذ القرار الوطني في أوقات الصراع. في هذه اللعبة، يتعاون القادة العسكريون مع السياسيين والخبراء الاقتصاديين والدبلوماسيين، مما يجعل من قرار الحرب حدثًا دوليًا يتطلب تحليلًا شاملًا من جميع المستويات. هنا، لا تقتصر الاستراتيجيات على الخرائط وتحركات القوى، بل تشمل أيضًا الاتصالات الدبلوماسية والنشاطات السياسية التي تؤثر على مسار الحادثة الدولية.

تجري في أروقة البنتاغون حاليًا لعبة حرب على المستوى الاستراتيجي، بمشاركة نخبة من صانعي القرار العسكريين والسياسيين، حيث يتناول النقاش التحديات والخيارات المحتملة، بما في ذلك المواجهة مع إيران. يُعتبر الخيار العسكري أكثر إمكانية عند النظر إلى نتائج الخيارات الدبلوماسية التي اتضح فشلها.

في حالة الفشل الدبلوماسي، سيتجه ترامب إلى تنفيذ ضربة شاملة وسريعة تهدف إلى إضعاف القيادة الإيرانية من دون منحها فرصة الرد. هذه الضربة ستركز على مركز الثقل الاستراتيجي للنظام الإيراني، مع استهداف قدرات الحرس الثوري الإيراني الأساسية. تجدر الإشارة إلى أهمية العمليات البحرية، التي ستكون متعددة الأبعاد، حيث ستتسم بالتصدي بين القطع البحرية الأميركية المحورية والصواريخ الإيرانية.

تتطلب تفاصيل هذا السيناريو عددًا كبيرًا من المنصات والوسائط النارية، بهدف شل منظومة القيادة والسيطرة الإيرانية وتدمير قواعد إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، بالإضافة إلى الموانيء العسكرية. هذا يتطلب تنفيذ ضربات شاملة ومتزامنة، مدعومة بحرب إلكترونية وهجمات سيبرانية واسعة النطاق. لذلك، من الطبيعي أن نشهد هذا الحشد الكبير من الطائرات القاذفة وطائرات التزود بالوقود، إلى جانب منظومات الدفاع الجوي مثل باتريوت وثاد. ومن الواضح أن القدرات والاستعدادات الدفاعية ضد المخاطر الإيرانية غير كافية لحماية القوات والقواعد الأمريكية والمرافق الحيوية في الدول الحليفة، مما سيحتاج إلى عدة أسابيع لمعالجة هذه المشكلة.

على الصعيد السياسي، تُظهِر ردود الفعل الدولية أن إدارة ترامب تملك ثقة كبيرة في عدم تدخل روسيا أو الصين في أي صراع محتمل مع إيران. حتى المواقف السياسية لهذين البلدين لن تؤثر على القرار الأمريكي، سواء في خضم الحرب أو بعدها. أما بالنسبة للإجراءات الخطيرة المحتملة من إيران خلال المواجهة، فتجري حاليًا دراسة حلول للاستجابة لمختلف التهديدات، مثل استهداف حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، وإغلاق مضيق هرمز، وقطع سلاسل إمدادات الطاقة، بل وحتى الاستهداف الاستباقي لحاملات الطائرات الأمريكية.

يبقى السؤال الأهم: هل اتخذ قرار الحرب بشكل نهائي؟ الإجابة تكمن في متابعة مؤشرات عدة، منها تصريحات المسؤولين الغربيين، والتحضيرات العسكرية الجارية، ووجود قائد القيادة المركزية الأمريكية في المنطقة وتعزيزه التعاون العسكري مع إسرائيل، جنبًا إلى جنب مع الحملات الإعلامية التي تهدف إلى تهيئة الجمهور الأمريكي لهذه الحرب. كل هذه المؤشرات توحي بأن خيار الحرب أصبح أكثر احتمالاً من أي وقت مضى، بينما يبدو خيار الدبلوماسية ضعيفًا وبدون أفق، حيث إن شروط ترامب ستُحرج القيادة الإيرانية، والقبول بها سيعني خسارة أكبر بكثير من مجرد هزيمة عسكرية.

فيما يتعلق بساعة الصفر، لم يتم تحديدها بعد في انتظار إكمال التحضيرات اللازمة لضمان النصر وتحقيق الأهداف النهائية، والتي تتمثل في تغيير جذري في السلوك الإيراني بالمنطقة، سواء من خلال الامتثال للشروط الأمريكية أو عبر إسقاط النظام القائم. يجب الإشارة إلى أن عملية إسقاط النظام تتطلب الكثير من التخطيط والتحضيرات السياسية والميدانية، بما في ذلك العثور على بديل مناسب لقيادة إيران المقبلة. في هذه الحالة، ستكون المرحلة الأخيرة من الحرب، وهي تمكين السلطة الجديدة، الأكثر تعقيدًا وخطورة، خاصة أن هدف ترامب النهائي هو إنشاء حكومة موالية تضمن تسليم موارد الطاقة الإيرانية للولايات المتحدة، على غرار ما حدث في سوريا وفنزويلا، وهذا هو جوهر الصراع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى