Register To SAHA 2026- Remayah Magazine
العميد م. ناجي ملاعبمقالات رأي

السعودية الغد: قمة الابتكار في الاستراتيجية والدفاع

العميد ناجي ملاعبباحث في الشؤون الأمنية والاستراتيجية

أولاً: العلاقات الاستراتيجية بين الرياض وواشنطن

في ختام عام 2025، شهد البيت الأبيض لقاء غير تقليدي بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وولي العهد السعودي، محمد بن سلمان. هذا الحدث يعكس مدى الأهمية التي تعطيها الإدارة الأميركية لعلاقتها بالمملكة. وقد أسفر هذا الاجتماع عن إعلان ترمب أن السعودية أصبحت “حليفًا رئيسيًا خارج حلف الناتو”، مع تأكيده على بيع طائرات متطورة من طراز “إف-35”. يعكس ذلك رغبة الولايات المتحدة في تعزيز تحالفها الاستراتيجي مع الرياض في خضم تنافس متزايد مع الصين وروسيا.

خلال هذا اللقاء، تم التوقيع على عدد كبير من الاتفاقيات التي شملت مجالات التجارة والاستثمار والطاقة والدفاع والمعادن الحيوية، مما يشير إلى بداية مرحلة جديدة لاقتصاد المملكة. ومن بين هذه الاتفاقيات، كانت:

1. عقود الدفاع – طائرات “إف-35” ودبابات

أعلن البيت الأبيض عن موافقة ترمب على تسليم السعودية طائرات مقاتلة من طراز “إف-35” في المستقبل، بالإضافة إلى اتفاق لشراء 300 دبابة أميركية. تعتبر صفقة “إف-35” حساسة للغاية، كون إسرائيل هي الحليف الأساسي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وهي الدولة الوحيدة التي تمتلك هذا النوع المتقدم من الطائرات.

2. المعادن النادرة

توجت زيارة ولي العهد بتوقيع اتفاقيات عديدة تتعلق بإنتاج ومعالجة المعادن النادرة داخل المملكة. تشير التقديرات إلى أن السعودية تمتلك رابع أكبر احتياطي من هذه المعادن على مستوى العالم. هذا التغير الاستراتيجي يشير إلى انتقال العلاقة الأميركية السعودية من “النفط مقابل الأمن” إلى “المعادن مقابل الشراكة الاستراتيجية”.

3. الذكاء الاصطناعي

في خطوة ملحوظة نحو المستقبل، قامت الولايات المتحدة والسعودية بتوقيع مذكرة تفاهم تتيح للمملكة الوصول إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي الأميركية المتقدمة مع الحرص على حماية التكنولوجيا الأميركية من التأثيرات الخارجية. بموجب هذه الاتفاقية، تمت الموافقة على بيع 35000 شريحة متقدمة لشركات سعودية وإماراتية، مما يمثل تحولًا جوهريًا في الموقف الأميركي تجاه تصدير التكنولوجيا.

4. الطاقة النووية

ندرج هنا الخطط الطموحة التي وضعها ولي العهد لتنويع مصادر الطاقة، بما في ذلك المبادرات المتعلقة بالطاقة النووية السلمية. وقعت شركة أرامكو سبع عشرة مذكرة تفاهم واتفاقية مع شركات أميركية كبرى بقيمة محتملة تجاوزت 30 مليار دولار. الرياض تدعي أنها تمتلك حوالي 7% من احتياطي اليورانيوم العالمي، مما يتيح لها بناء محطة نووية كبرى بالشراكة مع الشركات الأميركية.

5 – الاستراتيجيات الدفاعية

في إطار الدفاع الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والسعودية، تُعتبر “الضمانات الأمنية” الأميركية إحدى النقاط الرئيسية التي سعت الرياض لتحقيقها خلال زيارة ولي العهد لواشنطن. وعلى الرغم من أنها لم تصل إلى مستوى معاهدة دفاعية ملزمة، إلا أن السعودية كانت تأمل في اتفاق طويل الأمد يشبه المادة الخامسة من ميثاق الناتو، التي تُعزز الالتزام الجماعي بالدفاع عن الأعضاء المتعرضين للهجوم. كانت آخر مرة حصلت فيها واشنطن على التزام مشابه في عام 1969 مع اليابان.

من جهة أخرى، ما حصلت عليه الرياض لم يكن سوى تصنيفها “حليفًا رئيسًا من خارج الناتو” من قبل ترمب. هذا التصنيف يمنح السعودية مزايا عسكرية واقتصادية هامة، تشمل تسهيلات الحصول على المعدات الدفاعية الأميركية، وتعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي، مما يوسع من نطاق الشراكة الاستراتيجية الثنائية.

ثانياً – تطور الصناعة الدفاعية الخليجية: آفاق وتحديات

تدعم المملكة العربية السعودية وباقي دول الخليج جهود التهدئة، حيث تستفيد من الاستقرار والرؤية السياسية المشتركة. ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر هو إقناع الطرف الإيراني بأهمية الحوار والدبلوماسية، وأن النتائج المترتبة عن التهدئة أفضل بكثير من التصعيد الدائم. يبدو أنه هناك تفاؤل حذر بشأن دور بيكين كوسيط مؤثر بين إيران والدول الخليجية خلال العام 2023.

ومع ذلك، فإن القول بأن الاتفاقيات تشير إلى فقدان الولايات المتحدة لنفوذها في الشرق الأوسط هو محض ارتباك. لا تزال واشنطن هي اللاعب الدولي الأكثر تأثيراً بالمنطقة، ولديها العدد الأكبر من الحلفاء والشركاء، فضلاً عن أدوات نفوذ مستدامة وعلاقات إستراتيجية متينة.

1 – دبلوماسية التصنيع الدفاعي

يمثل التصنيع الدفاعي واحدة من أهم أدوات القوة الصلبة في يد الرياض وأبوظبي، مما يُعزز دورهما في تحقيق الاستقلال الاستراتيجي. ذلك يمكنهما من التكيف مع المتغيرات الدولية، ويمنحهما حرية العمل وتأمين مصالحهما في بيئة متشابكة ومعقدة. ولكن، قد يُحدث ذلك تعقيدات نظرًا للعلاقة الطويلة مع القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة التي ظلت ضامنة لأمن الخليج لعقود.

هذا التوجه قد يعترضه أيضاً وجود تعاون متزايد للصناعات الدفاعية الخليجية مع دول مثل الصين وروسيا والهند وغيرها. لذا، تحرص الدبلوماسية الخليجية على توسيع آفاق التعامل مع هذه القوى المتنوعة.

تشكل العلاقة بين الصناعات الدفاعية وصياغة السياسة الخارجية استراتيجيات الأمن الوطني رابطًا وثيقًا. في الآونة الأخيرة، أصبحت تركيا لاعباً مؤثراً في صناعة الطائرات دون طيار، حيث انتشر نجاحها في هذا المجال ليتجاوز حدودها إلى دول مثل أذربيجان وأوكرانيا وسوريا.

تبدو الدول في “الجنوب العالمي”، خاصة الإفريقية، تنظر بتفاؤل تجاه الصناعة الدفاعية التركية، حيث استخدمت أنقرة مجموعة من الأدوات، بما في ذلك صادرات السلاح، وبرامج التعليم، لبناء علاقات طويلة الأمد مع الدول المستوردة.

2 – التحديات أمام الصناعات الدفاعية

على الرغم من التقدم الذي حققته السعودية والإمارات في تطوير قطاع الصناعات الدفاعية، إلا أن هناك تحديات هيكلية وتكتيكية لا تزال تواجه هذا القطاع. يتطلب الأمر استثمارات أكبر وتحسين في التقنيات لتعزيز القدرة التنافسية في السوقين الإقليمي والدولي.

أ – تتطلب الأسلحة الخليجية سجلًا متكررًا من التجارب في ساحات المعارك، حيث إن تاريخها لا يزال في مراحله الأولى مقارنة بالأسلحة الأخرى. هذه الاختبارات تعتبر حيوية، إذ تتيح للشركات الخليجية تعديل منتجاتها استنادًا إلى معطيات حقيقية، مما يزيد من مصداقية هذه الأسلحة في الأسواق العالمية. لذا، من المفيد تقديم برامج تمويل ميسرة لدول الجنوب العالمي والدول الحليفة الراغبة في الحصول على المنتجات والنظم الخليجية. بالإضافة إلى ذلك، يجب توفير اتفاقيات التدريب والتأهيل، وتعزيز المشاورات الدبلوماسية وبناء علاقات مؤسسية بين جميع الأطراف المعنية. هذه الخطوة من شأنها أن تشجع الشركاء المحتملين وتعزز تنافسية المنتجات الخليجية في مواجهة نظيراتها. وبالتالي، ستحصل الشركات الخليجية على فرصة لدعم استدامتها المالية وزيادة ربحيتها، حيث تحتاج تلك الشركات إلى توسيع حجم إنتاجها لتخفيض تكاليف الإنتاج تدريجيًا، وهو مفهوم تتبعه العديد من الشركات خلال مسيرتها التنموية.

ب – يمكن للدبلوماسية الاقتصادية الخليجية القوية توسيع شبكة علاقاتها لتوفير وسيلة أخرى تسهل دخول الشركات الخليجية إلى الأسواق العالمية، وذلك من خلال دمج المنتجات الدفاعية الخليجية في سلاسل الإمداد الدولية. هذا الأمر قد يزيد من أعداد العملاء المحتملين، بالإضافة إلى خفض تكاليف استيراد التقنيات والمعادن والأنظمة المتطورة. يجب التنويه إلى أن الإدارة الحكيمة للتوازنات والتناقضات الدولية التي أحيانًا تمر بها سلاسل الإمداد تسهم أيضاً في تسهيل ضوابط نقل التكنولوجيا التي تضعها الدول الكبرى.

جـ – من الأهمية تشجيع دخول مستثمرين جدد، وخصوصًا الشركات الخليجية من القطاع الخاص، مع التأكيد على ضرورة التوجه نحو مجالات تخصصية جديدة، مثل توطين وتصنيع أنظمة الدفاع الجوي. أثبتت النزاعات الأخيرة، مثل المواجهة بين إسرائيل وإيران، وحادثة الاعتداء الإسرائيلي على قطر (9 سبتمبر 2025)، الحاجة الماسة لهذه الأنظمة. هذا التوجه يساعد في تجنب تكرار إنتاج نفس المنتجات بواسطة العديد من الشركات، مما عرقل فتح خطوط إنتاج جديدة، وأضاع فرصًا ثمينة لتنويع القاعدة الصناعية بما يتجاوز الأنظمة التقليدية التي تتنافس في أسواقها بدائل عديدة.

الخلاصة

تحقيق السلام في المنطقة ومحيطها يستند إلى تنمية القوة بأنواعها المختلفة، وهذا ما قامت به السعودية الجديدة عن طريق توطين الصناعات الدفاعية وإنشاء خطوط إنتاج للقطاع الأمني والدفاعي رغم التحديات. أيضًا، تساهم الدبلوماسية النشطة، من خلال ضمانات أمنية مع واشنطن، في الحفاظ على الدور الدولي والإقليمي الذي قامت المملكة بتعزيزه مع اللاعبين الدوليين الكبار كأوروبا والصين وروسيا، وكذلك مع الدول الإسلامية مثل باكستان وتركيا. تبقى المملكة ملتزمة بخفض التصعيد والتدخل الإيجابي في القضايا مثل سوريا والسودان، فضلاً عن دعمها الدائم للقضية الفلسطينية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى