
خاص – رماية
تتدفق المعلومات في أروقة معرض الدوحة الدولي للدفاع البحري “ديمدكس 2026” بوتيرة أسرع من الصواريخ الاعتراضية. إلا أن ما لفت الأنظار ليس في العروض الحية، بل في تصريح مسؤولين رفيعي المستوى من شركة “سبيمايك” (CPMIEC) الصينية، حيث اعتبروا التقارير التي تشير إلى تشغيل إيران لمنظومة “HQ-9B” معلومات مضللة وغير دقيقة. هذا النفي يطرح تساؤلات حول إمكانية وجود حملة تضليل منظمة، أو ما إذا كانت بكين تفضل ممارسة “الدبلوماسية الصامتة” في ما يتعلق بالصادرات العسكرية الحساسة.
إن النفي الرسمي من الصين بشأن تزويد طهران بنظام “HQ-9B” يعكس محاولة للحفاظ على توازن دقيق بين طموحاتها التجارية في سوق السلاح والتزاماتها السياسية الدولية. ولكن، مع الخصائص التقنية المتفوقة لهذه المنظومة، فإن مجرد احتمال وجودها في الترسانة الإيرانية يمثل تهديداً مباشراً للتفوق الجوي الإقليمي، مما يستدعي إعادة تقييم خارطة الردع في المنطقة.
وحش “الراية الحمراء”: تشريح القدرات الفتاكة
تحتل منظومة “HQ-9B” (Hong Qi-9B) المرتبة كواحدة من أكثر أنظمة الدفاع الجوي الصينية تطوراً وقوة في التصدير. تم تصميم هذه المنظومة لتكون دليلاً صامداً ضد مجموعة واسعة من التهديدات الجوية، من الطائرات المقاتلة الحديثة إلى القاذفات الاستراتيجية، بالإضافة إلى الصواريخ الجوالة (Cruise) وبعض الأهداف الباليستية.
تعتمد النسخة “B” على هندسة رادارية طبقية معقدة تجمع بين رادارات المراقبة بعيدة المدى ورادارات توجيه النيران متعددة الوظائف. توفر هذه التكنولوجيا للمنظومة قدرة استثنائية على تتبع واشتباك أهداف متعددة في الوقت ذاته، بمدى اشتباك يتجاوز 250 كم، حسب نوع الصاروخ المُستخدم. فإن قدرتها على مقاومة إجراءات التشويش الإلكتروني المضادة تجعلها منافساً قوياً لمنظومات عالمية مثل “S-300″ الروسية و”Patriot” الأمريكية، وتتفوق عليهما في سرعة الاستجابة والاندماج ضمن شبكات القيادة والسيطرة المركزية.
الحقيقة بين نفي بكين وضرورات طهران
تشدد المصادر الصينية في “ديمدكس 2026” على أن التقارير التي ربطت بين المنظومة وإيران تفتقر إلى المصداقية. ومع ذلك، لا يمكن التغاضي عن السياق الجيوسياسي؛ فقد أظهرت النزاعات في العام الماضي وجود ثغرات واضحة في الدفاعات الإيرانية التي تعتمد بشكل أساسي على منظومات “S-300PMU2” الروسية وبعض النسخ المحلية مثل “باور-373”.
يوضح العقيد ظافر مراد أن لجوء إيران المحتمل للصين مرتبط بثلاثة عوامل رئيسية:
- الموثوقية التقنية: أثبتت التكنولوجيا الصينية قدرتها على دمج الرادارات المتقدمة التي تفتقر إليها بعض المنظومات الروسية القديمة.
- صفقة “النفط مقابل السلاح”: تشير التقارير الاستخباراتية إلى وجود قنوات مقايضة تتيح لطهران الحصول على تكنولوجيا عسكرية صينية مقابل تدفقات النفط، بعيداً عن النظام المالي العالمي.
- تكتيك “الغموض الاستراتيجي”: قد يكون النفي الصيني جزءاً من اتفاقية تهدف إلى عدم إثارة حفيظة القوى الغربية أو إسرائيل.
التداعيات الاستراتيجية: هل تتغير موازين القوى؟
إن إدخال منظومة بأسلحة مدى 250 كم إلى الساحة الإيرانية يخلق مناطق شديدة التأمين تعرف بـ “حظر الوصول” (A2/AD). فعندما تُنشر بطارية واحدة من “HQ-9B” بالقرب من مضيق هرمز أو المنشآت النووية، ستصبح الطائرات المعادية معرضة للخطر بمجرد إقلاعها من القواعد المجاورة.
القضية ليست مجرد شراء سلاح فحسب؛ بل إن انخراط إيران في الشبكة الدفاعية الصينية يعني تبادل المعرفة البرمجية وخوارزميات التتبع، مما يعزز من فاعلية المنظومات الإيرانية المحلية مثل “صياد-4B”. هذا التعاون يفرض على المخططين العسكريين الغربيين ضرورة إعادة تقييم تكاليف أي عملية عسكرية محتملة، حيث ستصبح تكلفة اختراق الأجواء الإيرانية مرتفعة للغاية من الناحية البشرية والمادية.
خاتمة: ما وراء النفي الرسمي
تظل تصريحات ممثلي “CPMIEC” في الدوحة موثوقة، لكن تاريخ مبيعات الأسلحة في منطقة الشرق الأوسط يُظهر أن الصمت عادة ما يسبق الأزمات. إن التسارع في قدرات “HQ-9B” يجعلها العنصر الحاسم الذي ينقص الترسانة الإيرانية لتحقيق حالة الردع الكامل.
سواء كانت التقارير دقيقة أم لا، فإن طرح هذا السؤال يدل على قلق دولي حقيقي بشأن التحالف العسكري المتنامي بين الصين وإيران. يبقى السؤال الأساسي: هل ستكتفي القوى الإقليمية بالمراقبة أم أننا سنشهد جولة جديدة من سباق التسلح التكنولوجي لكسر “الراية الحمراء” قبل أن تُرفع فوق المنشآت الاستراتيجية؟







