
العقيد الركن م. ظافر مراد
في فجر الثالث من يناير/ كانون الثاني 2026، تصاعدت الأحداث بشكل دراماتيكي حيث قامت القوات الأميركية بتنفيذ عملية العزم المطلق(Operation Absolute Resolve) التي تمثل عملية عسكرية معقدة وسريعة. تمت بنجاح اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته من مقر إقامتهما المحصن في كراكاس. لم تُحدد ساعة بدء العملية إلا بعد ضمان توافر كافة الظروف لنجاحها، حيث تم الانطلاق بعد سلسلة من الأنشطة العسكرية والاستخباراتية المنسقة بدقة.
اجتاحت القوات الفنزويلية مفاجآت من خلال هجمات إلكترونية واسعة النطاق تمكّنت من تعطيل الاتصالات بين مركز القيادة ومنظومة الحماية. في الأثناء، شنّت العشرات من الطائرات غارات دقيقة على أهداف عسكرية متعددة، كل ذلك بهدف إرباك الدفاعات الفنزويلية. كانت وحدات “دلتا” من القوة المقاتلة الرئيسة، حيث دخلت مقر إقامة مادورو بمساعدة بعض الحراس الشخصيين بعد التحقق من وجودهم.
على الرغم من تأكيد العملية كجزء من جهود مكافحة تهريب المخدرات، فإن لها تأثيرات عميقة ودلالات واضحة في عالم الجغرافيا السياسية. شكلت هذه العملية رسالة قوية من إدارة ترامب، بأنها مستعدة للتدخل في أي مكان تراه ضرورياً لحماية مصالح الولايات المتحدة، وليس فقط في منطقة البحر الكاريبي. ذلك يتجسد بوضوح في انخراط القوات الأميركية في ضرب المنشآت النووية الإيرانية والمشاركة في عمليات متعددة في سوريا واليمن والعراق.
تشير استراتيجية ترامب في منطقة الكاريبي وأميركا اللاتينية إلى التطور من “منطقة اهتمام” إلى “منطقة نفوذ وتأثير”، حيث تتزايد المخاطر المرتبطة بأنشطة بعض الحكومات والمنظمات في تلك المنطقة. كما أن المنطقة غنية بالموارد التي تسعى الولايات المتحدة للسيطرة عليها، فضلاً عن أهمية تأمين النقل السلس في قناة بناما، حيث تمثل الشريان الرئيسي للتجارة الأميركية عبر البحار.

ليس فقط اعتقال مادورو هو ما يميز هذه العملية، ولكن التأثيرات المحتملة على الساحة السياسية في فنزويلا تعتبر مصيرية. فمن المحتمل أن يتميل الأمور لصالح المعارضة في أي استحقاق سياسي مقبل، حيث تتآكل قدرة منظومة مادورو على الاحتفاظ بنفوذها، مما يبشر بصعود محتمل للمعارضة إلى السلطة.
تتحول فنزويلا من بلد خصم إلى صديق محتمل لأميركا، وهذه العملية ستأخذ وقتًا، لكنها قد تطلق موجة من التغييرات الواسعة في المنطقة. قد تمتد هذه التغييرات إلى دول أخرى مثل كولومبيا وكوبا، حتى لو استغرق ذلك بضع سنوات.
في إطار الاستراتيجيات التي تتبناها الإدارة الأميركية الحالية بقيادة الرئيس ترامب، من المهم عدم الاعتقاد بأن التدخل الأميركي الخارجي سيقتصر فقط على المحيط القريب والشؤون الداخلية. التصريحات الجريئة والعمليات الناجحة التي يقوم بها ترامب تعكس قدرة الإدارة على تقبل درجات أعلى من المخاطر في المجالات الأمنية والعسكرية والاقتصادية، مما سيؤثر سلباً على الخصوم وقد يجبرهم على القبول بشروط أقل مما كانوا يسعون إليه.
هناك نقطة أخيرة تستحق المناقشة، وهي كيفية تفسير هذه التطورات من قبل القوى الكبرى الأخرى. الصين، على سبيل المثال، قد تعتبر هذا سابقة خطيرة، ولكنها قد تجد فيها دافعًا لمهاجمة تايوان. روسيا قد تستخدمها كتبرير لمزيد من الأطماع في أوكرانيا. أما أوروبا، فستظل كعادتها تابعة للولايات المتحدة في سياستها الأمنية والعسكرية، ولن تمتلك الشجاعة لخوض أي صراع مباشر إلا تحت قيادة القوات الأميركية.







