Register To WDS
مقالات رأي

أزمة الثقة في الدفاع الصيني: كيف تؤثر الفساد البنيوي على هيبة البلاد في الساحة العالمية؟

عمار جلو

تسعى الصين لتحقيق مكانة مرموقة كقوة عسكرية تصاعدية ذات تقنيات حديثة. ومع ذلك، تكشف تقارير دولية متعددة عن تناقض جدير بالملاحظة، إذ يظهر جهاز بيروقراطي ضخم يعمل على الترويج لإنجازات لا تعكس الواقع، في حين يتم إخفاء عيوب عميقة تتعلق بفساد مؤسسي واسع وضعف في الإشراف على الجودة، بالإضافة إلى اعتماد كبير على التكنولوجيا الأجنبية، مما يؤدي إلى تراجع ملحوظ في ثقة الأسواق الدولية بصناعة الدفاع الصينية.

تؤدي هذه العوامل مجتمعة إلى تقليص جاهزية الجيش، مما يحد من قدرة الصين على تحقيق أهدافها الاستراتيجية. كما أنها تُعرّض الدول المستوردة للأسلحة الصينية لمخاطر تشغيلية ومالية كبيرة، إذ تُشير المشكلة هنا إلى عمقها البنيوي، حيث يُفضل الحزب في كثير من الأحيان تفوقه على القانون ويستخدم آليات المحاسبة كأدوات سياسية.

تتضح أهمية هذه المخاطر بشكل خاص في دول الخليج العربي، حيث ترتبط الأنظمة الدفاعية بمتطلبات تشغيل صارمة واحتياجات جاهزية مرتفعة. مما يجعل أي خلل في جودة المنتجات أو الدعم اللوجستي يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن الوطني، وليس مجرد قضية فنية أو تجارية.

الفساد كأس المشكلة البنيوية في الصناعات العسكرية الصينية

وفقًا للتقرير الأخير الصادر عن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، تم إطلاق عدة تحقيقات في قضايا فساد عميقة داخل المؤسسة العسكرية الصينية. وقد أسفرت تلك التحقيقات، التي أجريت بين يوليو وديسمبر 2023، عن الإقالة الجماعية لـ 15 ضابطًا رفيعًا بالإضافة إلى مسؤولين في قطاع الصناعات الدفاعية. ومن بين الأسماء المثيرة، تمت الإطاحة بالأدميرال مياو هوا من منصبه في اللجنة العسكرية المركزية، وهو ما يشير إلى نمط مستمر من الإقالات يشمل أيضًا نائبَي رئيس اللجنة سابقين.

أضف إلى ذلك، قامت الصين بإقالة ثلاثة من كبار مديري شركات متخصصة في تكنولوجيا الصواريخ، إلى جانب تسعة مسؤولين عسكريين بارزين. هذا الوضع يسلط الضوء على عمق الأزمة داخل جوانب الصناعة العسكرية والدفاعية الصينية.

بالنسبة لدول الخليج، التي تعتمد بشكل كبير على استقرار سلاسل الإمداد والدعم الطويل الأمد، يثير هذا الوضع تساؤلات حول مدى موثوقية الالتزامات الصينية في الأوقات الحرجة، ويمس أيضًا بأولويات الزبائن الخارجيين مقارنةً باحتياجات الجيش الصيني.

وفقًا لضابط استخبارات هندي، فإن “الأشخاص الذين تمت إقالتهم ليسوا عاديين بل يديرون أهم أصول الصين العسكرية”. هذا يدفع للتساؤل بشأن جاهزية جيش التحرير الشعبي. ويُعتبر من الصعب شن حرب عندما تتواجد الفساد في صفوف هياكل الصواريخ في البلاد. كما يؤكد دبلوماسي آسيوي أن الإقالات ليست سوى خطوات سطحية ولا تمس الجوهر في ثقافة الفساد التي استمرت لعقود. يقول: “الفساد مستمر ما لم يُعد بناء نظام التعيينات والترقيات العسكرية بشكل متكامل”.

في السياق الخليجي، حيث تُبنى العقود الدفاعية استنادًا إلى الاستمرارية والاستقرار المؤسسي، يؤدي وجود ثقافة فساد راسخة إلى زيادة المخاطر المرتبطة بالاعتماد على مورد يمكن أن يتعرض لعدم الاستقرار.

تُعاني الصناعات العسكرية الصينية من مشاكل متعددة تشمل الفساد في مناقصات الشراء والانتهاكات التي تؤدي إلى اختلاس الأموال العامة، حسب دراسة لأحمد أبو دوح من المعهد الملكي للعلاقات الدولية (تشاثام هاوس). ويضيف أبو دوح أنه تم التحرك من قبل القيادة الصينية لمواجهة هذه الأزمة المزمنة بخطوات متعددة، بدءًا من الاعتراف بما يحدث داخل الحزب ومن ثم إطلاق حملات تطهير بإشراف مباشر من الرئيس شي، بما في ذلك مسؤولين بارزين، إلى جانب عملية إعادة هيكلة شاملة للجيش بدأت منذ عام 2015، والتي تظهر تقدمًا ملحوظًا.

تعتبر عقود شراء الأسلحة الصينية، وفقًا لما تم الإشارة إليه من قبل أبو دوح، ملزمة قانونياً بكين بالالتزام بصيانة دورية. ومع ذلك، تظهر تحديات كبيرة في هذا المجال بسبب ان الصين لا تزال لاعبًا جديدًا في سوق الأسلحة العالمية. العديد من الشركات العسكرية في الصين لا تزال تعمل على تطوير قدراتها في مجال الصيانة، وهذا يؤثر بشكل كبير على الالتزامات التعاقدية. يمكن اعتبار هذه الممارسات ليست نتيجة تجاهل متعمد، بل تعكس تحديات متفشية.

قوة الصواريخ الصينية: نقطة ضعف استراتيجية

ذكر تقرير البنتاغون تفاصيل مهمة لفهم جذور هذه القضايا التي تتعلق بـ”الفساد المسيّس”. تشمل هذه الممارسات قبض الرشاوى، الدفع مقابل النفوذ، وشراء الولاءات، مع استخدام ملفات الفساد كسلاح في الصراعات السياسية. هذه الظواهر ليست مجرد استثناءات، بل تمثل سمة مشتركة في نظام يتجاوز فيه الحزب القانون، مما يجعل المؤسسة العسكرية نفسها عرضة لصراعات سياسية متزايدة.

نقلت بلومبرغ عن تقديرات استخباراتية أمريكية بشأن الفساد في قوة الصواريخ الصينية، حيث وصلت بعض الممارسات إلى درجة خطيرة، مثل ملء الصواريخ بالماء بدلاً من الوقود، واستخدام أغطية صوامع غير صالحة للإطلاق. بحسب مركز الإمارات للسياسات، ستظل قوة الصواريخ بؤرة للفساد بسبب هيمنة الشركات الحكومية على البحث والتصنيع، والذي يرافقه اختلاسات وممارسات غير قانونية. كما يساهم ضعف التفتيش في تفشي الفساد من خلال تقليل فرص الكشف عنه مقارنة بالمعايير الأمريكية.

يُعتقد أن استعادة الثقة في جاهزية القوات قد تستغرق من 5 إلى 10 سنوات، مما يعني أن قوة الصواريخ تتواجد في حالة ضعف عملي خلال هذه الفترة.

أزمة جودة وسمعة في قطاع الصناعات الدفاعية

وفقًا لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، انخفضت صادرات الصين من الأسلحة بنسبة تصل إلى 23% بين عامي 2013 و2022. وقد تراجعت إيرادات أكبر الشركات الدفاعية الصينية بنسبة 10%، حيث واجهت NORINCO انخفاضًا كبيرًا بنسبة 31%. هذا التراجع جاء نتاجًا لمشاكل الفساد في المشتريات، إلغاء عقود دفاعية رئيسية، وضعف إدارة الجودة. كما تُظهر البيانات اعتمادًا مفرطًا على الإنتاج السريع على حساب البحث والتطوير.

هذا التراجع يثير تساؤلات حول السوق الخليجية، حيث تميل الدول ذات الموارد المالية الكبيرة إلى اختيار أنظمة عسكرية مصممة في الأساس لأسواق أقل تطلبًا، حيث يتم التركيز على السعر بدلاً من الاعتمادية طويلة الأمد.

تعاني بلدان مستوردة للأسلحة الصينية مشكلات ملحوظة في جودة المعدات. في نيجيريا، شهدت المقاتلات F-7 أعطال مستمرة أدت لحوادث جوية، مما استدعى إعادة معظمها للصيانة في الصين. كما واجهت ميانمار مشاكل هيكلية في مقاتلات JF-17، مما جعلها غير قابلة للاستخدام رغم سنوات من الخدمة. حيث كان لبنغلاديش نصيب من الأعطال في طائرات K-8W بعد فترة قصيرة من التسليم.

باكستان، كأكبر مستورد للأسلحة الصينية، شكت من أداء السفن F-22P وعانت من مشاكل كبيرة في نظام صواريخ FM-90، بما في ذلك فشل مستشعرات الأشعة تحت الحمراء والرادارات. أسفرت التجارب الجزائرية مع الطائرات المسيّرة CH-4 عن تحطم عدة وحدات، مما أثار مخاوف بشأن موثوقيتها.

في بيئة دول الخليج، حيث تتعامل القوات الجوية والبحرية مع ظروف تشغيل صعبة، ستؤدي الأعطال من هذا النوع إلى تكاليف مالية وتشغيلية تفوق بكثير الجاذبية السعرية للعقود.

بينما تقدم الصين أسعارًا تنافسية وتمويلًا ميسرًا، تكشف الأعطال عن تكاليف غير مباشرة مثل نقص قطع الغيار وسوء التوافق التكنولوجي. كما يُظهر الموردون ضعفًا في تحمل المسؤولية، مما يجعل بعض الدول تعتمد على دعم أطراف ثالثة، كما فعلت ميانمار مع الفنيين الباكستانيين.

أكد العميد منير شحادة، المنسق السابق للحكومة اللبنانية لدى اليونيفيل، أن التراجع في مبيعات الصناعات العسكرية الصينية ليس مجرد ادعاء إعلامي، بل واقع مدعوم ببيانات رسمية. يرتبط هذا التراجع بحملة مكافحة الفساد التي أطلقتها بكين بهدف إعادة هيكلة القطاع، رغم تكلفتها الاقتصادية المبدئية. يتزامن هذا الانخفاض مع جهود سياسية وإعلامية في مجملها تستهدف سمعة الأسلحة الصينية، خصوصاً في ظل الزيادة الملحوظة في القدرات الباكستانية.





التحديات في صناعة الأسلحة الصينية

تحليل التحديات في صناعة الأسلحة الصينية

في سياق المواجهات مع الهند، لوحظ استخدام تسليح صيني مما أثار قلقًا واسعًا وأدى إلى زيادة التساؤلات الإعلامية، خاصة في ظل افتقار الأدلة التقنية.

يؤكد العميد شحادة لموقع “نبض السعودية” أن توجه إيران نحو الصين للحصول على مقاتلات J‑10C وتقنيات عسكرية متقدمة يعد تحديًا لتوازن سوق السلاح، ويظهر التوتر القائم بين الصين والولايات المتحدة منذ عهد ترامب، مع وجود حملات إعلامية تستهدف صورة الصناعات الصينية.

ترتبط التراجعات في مبيعات الأسلحة بشكل أساسي بعوامل تنظيمية داخلية، حيث يشير تزامنها مع الهجمات الإعلامية الغربية إلى أهمية السمعة والثقة في المنافسة الدولية في سوق السلاح. وهذه المنافسة تشتمل أيضًا على التكنولوجيا والأسعار والنفوذ السياسي، كما يوضح شحادة.

في النهاية، الفساد الهيكلي والمشكلات العميقة في جودة المراقبة الناتجة عن الإنتاج السريع تقوض مصداقية الأسلحة الصينية. هذه المشكلة تعرض الدول المستوردة لمخاطر تشغيلية واستراتيجية ومالية. بالإضافة إلى ذلك، تتضمن الأسعار المنخفضة التي تعرضها الصين تكاليف خفية، مما يزيد من التحديات أثناء الأعطال الميكانيكية.

التكنولوجيا الأجنبية كعامل ضعف استراتيجي

تعتمد الصين بشكل كبير على الموردين الأجانب للمكونات الحيوية مثل المحركات البحرية ومحركات الطائرات. بين 2017 و2022، شكلت هذه المكونات أكثر من 55% من وارداتها العسكرية، مع الاعتماد على التقنيات الأوكرانية والفرنسية والألمانية، بينما تعتمد الغواصات النووية على تكنولوجيا روسية. ومع تصاعد التوترات نتيجة الغزو الروسي لأوكرانيا، تواجه الصين صعوبات متزايدة في الحصول على هذه التقنيات.

تقول الباحثة في الشؤون الصينية، د. تمارا برو، إن الولايات المتحدة تمارس ضغوطًا على دول مختلفة لوقف شراء الأسلحة الصينية، كما حدث مع مصر. ويعكس هذا القلق الأمريكي من تطور التكنولوجيا العسكرية الصينية، خصوصًا مع القيود المفروضة على تصدير الرقائق الإلكترونية إلى الصين.

يطرح التحليل أن الصين تواجه تحديات ناجمة عن إرثها الصناعي الدفاعي المستند إلى النموذج السوفييتي، والذي يُعاني من تنظيم معقد يعيق الابتكار والكفاءة. مع ثبات جهود التحديث العسكري في بكين، فإن إدماج الأنظمة المتنوعة لا يزال يمثل تحديًا كبيرًا.

الاستنتاج

مشكلات السلاح الصيني ليست مجرد حالات معزولة، بل تعكس قطاعًا دفاعيًا يعاني من الفساد الذي قد يؤثر على موثوقية المنتجات، مما يدفع الدول إلى تقليل مشترياتها أو التحول إلى موردين آخرين. وهذا يفرض على الدول المستوردة تحمل تبعات استراتيجية وعملياتية خطيرة، حيث يمكن أن تؤدي الأنظمة المعطلة إلى فجوات في القدرات خلال الأزمات.

أيضًا، يعكس الاعتماد على مصدر واحد ذو سمعة مشبوهة حدًا من الاستقلالية، مما يعرض الدول لضغوط سياسية ومخاطر في سلاسل التوريد. لذا، يُعَد التنويع في مصادر التسليح والاتجاه نحو موردين أكثر شفافية ضرورة استراتيجية. في الخليج، لا يتعلق الأمر فقط بالمقارنة في الأسعار، بل يتطلب ضمان كفاءة الأنظمة الدفاعية في أحلك الظروف.

ختامًا، تزايد الفساد البنيوي وضعف الجودة في قطاع الدفاع الصيني يشكل تهديدًا طويل الأمد للدول المستوردة، مما يجعل من إعادة تقييم الاعتماد على السلاح الصيني خطوة حتمية لتعزيز الدفاع الوطني وضمان الأمن.

نبض السعودية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى