Register To WDS
مقالات رأي

“فخ السلاح الصيني: كيف تتجاوز تكاليف التشغيل المنخفضة العروض الغربية؟”

اللواء ماجد القيسي، وهو لواء عراقي متقاعد، خبير في مجالات الشؤون الاستراتيجية، الأمنية، والعسكرية.

تحولات سوق السلاح العالمي

في العقدين الأخيرين، شهد سوق الأسلحة تغيرات هيكلية هامة، كان أبرزها تراجع الهيمنة الغربية على صادرات السلاح وظهور موردين جدد، وفي مقدمتهم الصين. استطاعت بكين بناء وجود قوي في أسواق الدول النامية، مُستفيدة من نموذج تصديري يعتمد على تكاليف تعاقد منخفضة، ومرونة سياسية، ورغبة في البيع بعيداً عن القيود التي تفرضها الولايات المتحدة وأوروبا.

المفارقة بين الكلفة والجدوى

تظهر التجارب العملية لعدد متزايد من الجيوش مفارقة هامة: انخفاض كلفة التعاقد لا يعكس بالضرورة الكلفة الحقيقية للسلاح على المدى البعيد. فالصفقة الجذابة قد تتحول إلى عبء تشغيل ولوجستي مع مرور الوقت، مما يثير تساؤلات استراتيجية حول الجدوى الاقتصادية والعملياتية.

تحليل كلفة دورة الحياة للسلاح

تهدف هذه الورقة إلى تحليل هذه المفارقة من خلال مقارنة كلفة دورة الحياة للأسلحة الصينية ونظيراتها الغربية استناداً إلى نماذج تحليلية وتجارب عملياتية. إن كلفة دورة الحياة (Life Cycle Cost) تُعتبر الإطار الأدق لتقييم المنظومات العسكرية، إذ تشمل التشغيل، والصيانة، وقطع الغيار، والدعم الفني، والتدريب، والتحديث، وحتى إحالة السلاح من الخدمة.

كلفة التعاقد كأداة للنفوذ في السوق

تعتبر الصين في تصدير أسلحتها المزايا التنافسية أساسية، حيث تقدم أسعاراً أقل تصل إلى 40% مقارنة بنظيراتها الغربية، خاصة في مجال الطائرات المقاتلة الخفيفة، والطائرات بدون طيار، والمدرعات، وأنظمة الدفاع الجوي. كما أن مرونة التمويل وسرعة الإجراءات تعزز من جاذبية هذا النموذج للدول ذات الميزانيات المحدودة.

الكلفة المتراكمة

ومع ذلك، فإن التركيز على كلفة التعاقد فقط يغفل الكلفة الأكبر المتراكمة خلال سنوات التشغيل، وهي كلفة تحدد بشكل فعلي جدوى الاستثمارات الدفاعية.

مشاهدات عملية في التشغيل والصيانة

تجارب في المجال البحري

أظهرت حالات الفرقاطات الصينية المُصدّرة إلى دول آسيوية وأفريقية أن التكلفة المنخفضة لم تمنع ظهور تحديات تتعلق بموثوقية الأنظمة وتأخر توريد قطع الغيار، مما أدى إلى فترات توقف أطول من المتوقع.

القطاع الجوي والدفاع الجوي

بالرغم من تسويق أنظمة صينية مثل HQ-9 كبدائل ذات تكلفة أقل، إلا أن التطبيقات الفعلية في باكستان ونيجيريا أظهرت مشاكل في الاستدامة الفنية وصعوبة التكامل مع نظم القيادة والسيطرة، خاصة في البيئات ذات التشغيل المتواصل.

مقارنة واقعية: مقاتلة JF-17 مقابل F-16

مقاتلة JF-17 Thunder، التي تم تطويرها بالشراكة بين الصين وباكستان، تعد مثالاً واضحاً للفجوة بين التكلفة المنخفضة والتحديات التشغيلية التي قد تظهر لاحقاً. سنوات التشغيل الأولية كشفت عن صعوبات في الحصول على قطع الغيار وارتفاع معدلات الأعطال، مما أدى إلى انخفاض ملحوظ في الجاهزية. على النقيض، فإن غربياً مثل F-16 Fighting Falcon أثبتت كفاءة عالية بالرغم من تكلفتها المرتفعة بفضل شبكة دعم عالمية قوية.

تحليل كلفة دورة حياة الأنظمة العسكرية: مقارنة بين الأنظمة الصينية والغربية

تستعرض هذه المقارنة التحديات التي يواجهها قرار التعاقد على الأسلحة، إذ يمكن أن تتحول الأنظمة منخفضة التكلفة عند الشراء إلى خيارات مكلفة وغير موثوقة على المدى الطويل.

الأداء والجاهزية العملياتية

الجاهزية العملياتية تُعتبر أداة تقييم حيوية لقياس الأداء والتكاليف. إنها تعكس مدى قدرة الوحدات العسكرية على تنفيذ مهامها في أي وقت، وهو أمر حاسم في حالات الطوارئ. إن التجارب الواقعية تشير إلى أن بعض الأنظمة الصينية تعاني من عدم استقرار الأداء، مما يزيد العبء على القوات ويؤثر سلبًا على الكفاءة.

من جهة أخرى، الأنظمة الغربية مثل F-16 وPatriot تتمتع بمعدلات جاهزية مستقرة تعد من الأصول الثمينة خلال التخطيط للمشاريع العملياتية.

تأثير البيئة التشغيلية على الجاهزية

البيئة القاسية في الخليج تؤدي إلى تحديات كبيرة، حيث تتطلب الظروف المناخية الصعبة أداءً مستدامًا للقوات الجوية والبحرية. أي تراجع في الجاهزية يزيد من المخاطر ويفرض الحاجة إلى وحدات إضافية، مما يسهم في ارتفاع التكاليف.

وبالتحديد، تحتاج القوات الخليجية التي تعتمد على التعاون مع الحلفاء إلى جاهزية مستمرة وفعّالة. الاعتماد على الأنظمة ذات التكلفة المنخفضة قد يؤدي إلى فقدان القدرة على العمل بشكل مشترك.

سلاسل الإمداد والتبعية اللوجستية

تمثل سلاسل الإمداد نقطة ضعف في الأنظمة العسكرية الصينية، حيث يعاني المستخدمون من صعوبة في الحصول على قطع الغيار بسرعة، مما يرفع من تكلفة الوقف عن الخدمة ويقيد حرية اتخاذ القرار أثناء الأزمات.

على العكس، تعتمد الأنظمة الغربية على شبكات إمداد موثوقة متعددة الموردين، مما يقلل من المخاطر ويعزز سرعة الاستجابة.

الكلفة الإجمالية على مدى العمر

تشير النماذج التحليلية إلى أن كلفة دورة الحياة للأنظمة الصينية قد تصل إلى حوالي 140% مقارنةً مع قيمتها عند التعاقد، بسبب الصيانة المكثفة ونقص الجاهزية. بالمقابل، تسجل الأنظمة الغربية تكاليف تتراوح بين 90 و110%، مما يبرز كفاءة الاستدامة والتحديث المستمر.

الرؤية في السياق الخليجي

في القوات التي تعتمد على الإستجابة السريعة، تُعتبر الجاهزية العملياتية أكثر من مجرد معيار تقني، بل عنصرًا رئيسيًا في بناء الهيكل العسكري. الأنظمة التي تعاني من عدم استقرار تؤدي إلى الحاجة إلى المزيد من الوحدات، ما يعزز الأعباء المالية واللوجستية.

لذا، يتضح أن الخيار القائم على توفير التكاليف عند الشراء ليس بالضرورة هو الأكثر فعالية على المدى الطويل. يجدر التفكير في العوامل الشاملة مثل كلفة الحياة، الجاهزية والدعم اللوجستي كمعايير رئيسية لاتخاذ القرارات الدفاعية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى