Register To WDS
العميد م. ناجي ملاعبمقالات رأي

إعادة تشكيل الأمن الإقليمي: التحولات المثيرة في شراكات الدفاع الخليجية

العميد م. ناجي ملاعب

مقدمة

شهدت الهندسة الأمنية في الخليج تحولات غير مسبوقة منذ عام 2019، بعد الهجوم على منشآت «أرامكو» الذي أبرز محدودية الاستجابة الأمريكية. ومن جهة أخرى، زاد الاعتماد الإسرائيلي على الضربات الدقيقة، وصولًا إلى العدوان على قطر. هذه التحولات دفعت دول الخليج إلى إعادة تقييم ممرات الأمن الإقليمي، ما أدى إلى التوجه نحو شراكات جديدة تشمل تركيا والصين وروسيا، بجانب الإطار الأمريكي التقليدي.

تتناول هذه الدراسة أربعة دوائر محورية تشمل التوجه الخليجي الإسلامي نحو الشراكة الاستراتيجية مع باكستان والعلاقات الدفاعية مع تركيا، فضلاً عن تعميق الفهم بين دول الخليج والصين، والانفتاح على روسيا. كما تستكشف هذه الدراسة كيف تسهم تلك التحولات في صياغة هندسة أمنية متعددة الأقطاب. ولكن هل يمكن تنويع الحلفاء لبناء الأمن الإقليمي دون المظلة الأمريكية، خصوصًا في الخليج العربي؟ سوف نبدأ من هنا، مع توضيح النجاحات التي حققتها زيارة الأمير محمد بن سلمان لواشنطن في 18 نوفمبر في مجالات الدفاع والذكاء الاصطناعي والطاقة النووية.

ولا بد من إلقاء نظرة على استراتيجية الأمن القومي الأمريكية التي أقرتها إدارة الرئيس دونالد ترامب، ومما يستدعي الانتباه هو ما خصصته من بنود لمنطقة الشرق الأوسط ضمن إدارة المخاطر. يمكن تلخيص ذلك بالنقاط التالية:

  • تقليل الالتزامات العسكرية، بحيث أصبح الوجود الأمريكي أكثر رشاقة ووضوحًا: عبر استخدام الطائرات المسيرة، القوات الخاصة، ودفاع جوي وصاروخي، بالإضافة إلى حماية الملاحة البحرية.
  • شراكات أمنية بدون تدخل عسكري بري، حيث تركز واشنطن على دعم: أمن الخليج الجوي، وأمن إسرائيل، واحتواء إيران، وضمان استمرار تدفق الطاقة.

أولاً – الرياض وواشنطن: شراكة استراتيجية واعدة

اليوم، نشهد “الشخص الذي يهز المكان”، كما وصفه كاتب أمريكي بارز. في الفصل الأخير من عام 2025، استقبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، في البيت الأبيض بمراسم غير مألوفة، علامة على الأهمية التي توليها إدارته لعلاقاتها مع المملكة. ونتيجة للزيارة، قام ترامب بتصنيف السعودية كـ “حليف رئيسي من خارج حلف شمال الأطلسي”، وأبدى موافقته على بيع طائرات متطورة من طراز “إف-35”، ما يُعتبر مؤشرًا واضحًا على رغبة واشنطن في تعزيز تحالفها الاستراتيجي مع الرياض في ظل المنافسة المتزايدة مع الصين وروسيا.

كما وقعت الولايات المتحدة والسعودية في هذا اللقاء عددًا من الاتفاقيات الهامة في مجالات التجارة والاستثمار والطاقة والدفاع. إذا كانت هذه الاتفاقيات تعبر عن شيء، فهي تدل على أننا أمام سعودية جديدة، ومن أبرز هذه الاتفاقيات:

أ – عقود دفاعية – طائرات “أف-35” ودبابات

أعلن البيت الأبيض عن موافقة ترامب على تسليم السعودية طائرات مقاتلة من طراز “إف-35” في المستقبل، بالإضافة إلى إبرام اتفاق لشراء 300 دبابة أمريكية. تعتبر صفقة “إف-35” حساسة جدًا، حيث أن إسرائيل، الحليف الرئيسي للولايات المتحدة، هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي تمتلك هذا الطراز المتقدم. وتهدف إسرائيل للحفاظ على تفوقها العسكري. ومع ذلك، أكد الرئيس الأمريكي لولي العهد السعودي: “أعلم أن الإسرائيليين يريدون أن تحصلوا على طائرات أقل تطورًا، ولا أظن أن ذلك يسعدكم. كلاكما في مستوى يستحق الحصول على أفضل الطائرات.”

المعادن النادرة

أسفرت الزيارة الأخيرة إلى واشنطن عن توقيع عدة اتفاقيات في مجالات واعدة، وأبرزها تعاون في إنتاج المعادن النادرة ومعالجتها داخل المملكة. السعودية تؤكد أنها تمتلك رابع أكبر احتياطي من المعادن النادرة عالميًا، وهو تغيير استراتيجي بالغ الأهمية. فكما بُنيت العلاقات الأميركية – السعودية تاريخيًا على معادلة “النفط مقابل الأمن”، يُمكن أن ندخل الآن عصرًا جديدًا عنوانه “المعادن مقابل الشراكة الاستراتيجية”.

الذكاء الاصطناعي

شهد مجال الذكاء الاصطناعي خطوة جريئة تمثلت في توقيع مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة والسعودية، تمنح المملكة إمكانية الوصول إلى نظم أميركية متقدمة مع حماية التكنولوجيا الأميركية من التأثيرات الأجنبية. ضمن هذه المذكرة، وافقت واشنطن على بيع رقائق متطورة من إنتاج شركة “إنفيديا” لشركتي “هيوماين” السعودية و”جي 42″ الإماراتية، حيث سُمح لهما بشراء حوالي 35000 رقاقة تُقدر قيمتها بمليار دولار. هذا القرار يُشكل تحولًا كبيرًا في السياسة الأميركية، حيث كانت واشنطن قد امتنعت سابقًا عن تصدير التكنولوجيا مباشرة لشركات في الخليج.

الطاقة النووية

تسعى المملكة، من خلال رؤية 2030، إلى تنويع مصادر الطاقة واستخدام الطاقة النووية السلمية. في هذا الإطار، وقعت شركة أرامكو 17 مذكرة تفاهم واتفاقية مع شركات أميركية كبرى بقيمة محتملة تتجاوز 30 مليار دولار. تمتلك السعودية حوالي 7% من احتياطي اليورانيوم العالمي، مما يمنحها قاعدة قوية للبدء في بناء محطة نووية كبيرة اعتمادًا على التكنولوجيا الأميركية، وذلك في إطار أهدافها للاقتصاد المستدام.

الدفاع الاستراتيجي

في سياق التعاون الدفاعي السعودي الأميركي، كانت “الضمانات الأمنية” أحد النقاط الرئيسية التي سعت الرياض لتحقيقها خلال زيارة ابن سلمان. على الرغم من عدم التوصل إلى معاهدة دفاعية ملزمة، حصلت الرياض على تصنيفها كـ “حليف رئيسي من خارج الناتو”، وهو ما يمنحها مزايا عسكرية واقتصادية مهمة، بما في ذلك تسهيلات للحصول على المعدات الدفاعية وتعزيز التعاون الأمني.

صعود الصناعة الدفاعية الخليجية: آفاق جديدة ومعوقات

تدعم المملكة ودول الخليج بناء التهدئة وتعزيز الاستقرار السياسي. ومع ذلك، يظل التحدي الأكبر هو إقناع الجانب الإيراني بأهمية الحوار والدبلوماسية. تعتبر هذه خطوة أساسية، وهناك تفاؤل حذر بشأن دور بكين كوسيط في تحسين العلاقات بين إيران والدول الخليجية.

وعلى الرغم من بعض التصريحات التي تشير إلى تراجع النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط، تظل واشنطن اللاعب الدولي الأكثر تأثيرًا في المنطقة، وذلك أكده نتائج زيارة ولي العهد إلى واشنطن.

دبلوماسية الصناعة الدفاعية

يمثل امتلاك أدوات القوة الصلبة أحد العناصر الأساسية لتعزيز الشراكات الاستراتيجية في مجال الدفاع.

تشهد الصناعة الدفاعية في منطقة الخليج، وعلى وجه الخصوص في الرياض وأبو ظبي، تحولاً ملحوظاً يمكن وصفه بزيادة فاعلية الدور الذي تلعبه هذه الدول في تصنيع الدفاع. يساهم هذا التوجه في تعزيز قدرتها على التكيف مع تقلبات النظام الدولي، مما يعزز استقلالها الاستراتيجي. يترتب على ذلك حرية أكبر في الحركة والمناورة للحفاظ على مصالحها في ظل صراعات متعددة. غير أن هذه الديناميكية قد تثير بعض الإشكالات، خاصة في ظل الشراكات التاريخية مع القوى الغربية، بما في ذلك الولايات المتحدة التي تضمن أمن الخليج منذ عقود.

تتفاعل الصناعة الدفاعية الخليجية مع شركاء جدد مثل الصين وروسيا والهند، مما يجعل من الضروري أن تسعى الدبلوماسية الخليجية لإدارة العلاقات بدقة عبر تعقيدات هذه القوى التي تتباين مصالحها في بعض الأوقات.

يتضح أن العلاقة بين الصناعة الدفاعية وصنع السياسة الخارجية والتخطيط الأمني تُدار بعناية. ففي السنوات الأخيرة، برزت تركيا بصفتها فاعلاً رئيسياً في صناعة الطائرات من دون طيار، متوجهةً إلى التصدير كاستجابة لمتطلبات داخلية ملحة. وقد أضافت هذه الخطوة بعداً جديداً لنجاحها الدبلوماسي عبر تعزيز وجودها في مناطق مثل أذربيجان وسورية، مما أتاح لها توسيع نفوذها في مناطق متنوعة من الشرق الأوسط حتى القرن الأفريقي.

توجهت العديد من دول “الجنوب العالمي”، خاصة في القارة الأفريقية، بنظرة إيجابية نحو الصناعة التركية. واستطاعت أنقرة أن تستفيد من هذه الدروس عبر ممارسة “دبلوماسية الصناعة الدفاعية”، ما يشمل صادرات الأسلحة، وبرامج التدريب، وتأسيس علاقات مؤسسية متينة مع الدول المستوردة لتقنياتها.

2 – معوقات في طريق الصناعات الدفاعية

برغم التقدم الكبير الذي حققته السعودية والإمارات في تأسيس وتوطين قطاع الصناعات الدفاعية، فلا تزال هناك تحديات هيكلية وتكتيكية تعيق النمو، ومنها:

أ – تحتاج الأسلحة المُنتجة في الخليج إلى اختبارات متكررة في ميدان المعركة، حيث لا يزال سجلها في هذا السياق محدوداً مقارنةً بمنافسيها. مع أنه من الأهمية بمكان تقوية مصداقية هذه المنتجات على الصعيد العالمي، لذا قد يكون من المفيد تقديم برامج تمويل ملائمة للدول الحليفة، بالإضافة إلى اتفاقيات تدريب، مما يسهم في تطوير العلاقات المؤسسية بين الأطراف ويعزز القيمة السوقية للمنتجات الخليجية.

ب – يُمكن للدبلوماسية الاقتصادية النشطة أن تُسهم في تعزيز وجود الشركات الخليجية في الأسواق العالمية عبر إدماج منتجاتها في سلاسل الإمداد الدولية. وهذا من شأنه زيادة عدد الزبائن وتقليل التكلفة المرتبطة باستيراد التقنيات والأنظمة.

جـ – تشجيع المستثمرين الجدد، وخاصة الشركات الخاصة الخليجية، للتوجه نحو مجالات تخصصية جديدة كتصنيع أنظمة الدفاع الجوي. النقاش حول أهمية هذه الأنظمة قد تم توضيحه بشكل كبير من خلال التطورات الأخيرة في المنطقة، مما يبرز الحاجة لتجنب تكرار إنتاج المنتجات عبر شركات متعددة مما قد يعيق الابتكار والإنتاج الجديد.

في سعيها لتطوير قاعدة صناعية متقدمة، تتجه المملكة العربية السعودية بعيدًا عن الأنظمة الدفاعية التقليدية، مع التركيز على تقليل الاعتماد على البدائل الخارجية في السوق الدولي.

وفي الختام، يجسد الفهم العميق للسعودية لقوة بناء السلام عبر تنويع الأنظمة الدفاعية عبر توطين الصناعات العسكرية، ويشير استخدام الدبلوماسية النشطة إلى الضمانات الأمنية مع الولايات المتحدة. محافظة المملكة على دورها الإقليمي والدولي، يتضح من خلال علاقاتها مع القوى الكبيرة مثل أوروبا، الصين، وروسيا، إضافة إلى الدول الإسلامية الشقيقة مثل باكستان وتركيا، مما يساهم في خفض التصعيد والتدخل الإيجابي في المنطقة، كما يُظهر التزامها المستمر بقضية فلسطين.

تحولات الشراكات الدفاعية في الخليج

التحالف السعودي الإسلامي: السعودية وباكستان

وصفت وكالة الأنباء الرسمية في المملكة، الاتفاقية الدفاعية الجديدة بين السعودية وباكستان بأنها تأتي من شراكة تاريخية تستمر منذ ثمانية عقود، مبنية على القيم الأخلاقية وروابط الأخوة.

تهدف هذه الاتفاقية الاستراتيجية إلى تعزيز التعاون الدفاعي وزيادة الردع المشترك ضد أي اعتداء، مع التأكيد على أن أي هجوم على أحد البلدين يعد اعتداءً على الآخر، خصوصًا بعدما واجهت قطر انتكاسات في تحالفها مع الولايات المتحدة.

تتضمن الاتفاقية استخدام التكنولوجيا المتقدمة مثل الصواريخ والأسلحة النووية، مما يعكس استراتيجية باكستان في تطوير برنامجها الدفاعي.

تركيا ودورها المتصاعد في الأمن الخليجي

أدت التطورات في قدرات الصناعات الدفاعية التركية إلى زيادة جاذبية أنقرة لدول الخليج، خاصة بعد تراجع فعالية الضمانات الغربية. تواصل تركيا تصدير الأسلحة إلى أكثر من 30 دولة، وبحلول عام 2024، تجاوزت صادراتها 7.2 مليار دولار، مع تفوق في أنظمة الحرب الإلكترونية والطائرات المسيرة.

تسعى دول الخليج لتعزيز قدراتها الدفاعية من خلال شراكتها مع تركيا، وذلك بفعل الفراغ الجيوسياسي في المنطقة عقب تراجع أدوار بعض الدول. تسعى دول الخليج إلى زيادة استثماراتها في الصناعات الدفاعية التركية لتحسين قدراتها العسكرية.

عقدت المملكة العربية السعودية أكبر صفقة في تاريخها مع تركيا لإنتاج مسيرات أقنجي عام 2023، مما يعكس مدى توطيد العلاقات العسكرية. كما تسعى قطر لعقد شراكات صناعية مع الشركات التركية، في حين تظل الإمارات مهتمة بتعاونات عسكرية متزايدة.

لماذا اختيار تركيا؟

برزت تركيا كقوة متقدمة في الصناعات الدفاعية خلال السنوات الأخيرة، حيث تستهدف تصدير منتجاتها إلى دول متعددة، مما يجعلها شريكًا إستراتيجيًا قويًا للخليج أمام التحديات الحالية.

في تطور مثير، ارتفعت صادرات الأسلحة التركية بنسبة تقارب 30% مقارنة بالعام السابق. ومنذ عام 2023، أصبحت ثلاث شركات تركية في قائمة أكبر 100 شركة عالمية مصدرة للأسلحة. إن هذه الشركات تمكنت من تحقيق تفوق تنافسي ملحوظ في مجالات متعددة مثل الطائرات المسيرة، أنظمة الصواريخ، الدفاع الجوي، والتقنيات الإلكترونية للحرب. وتوفر هذه الأنظمة حلولاً فعالة من حيث التكلفة، وسرعة عالية في التسليم، ونماذج تعاون مرنة تلبي احتياجات دول الخليج في مجال الأمن.

تشغل الصناعات الدفاعية التركية حالياً مكانة بارزة باعتبارها من أكثر المجالات الاستثمارية جذباً. وفي حال توجه الخليج نحو تركيا، من المتوقع أن تتطور القدرات العسكرية-الصناعية لأنقرة بشكل أكبر، مما يسهم في إنشاء حاجز قوي لمواجهة التحديات الإسرائيلية. وبالتالي، قد يكون هنالك فرصة لإرساء أطر أمن جديدة يقودها الدور التركي في المنطقة.

تركيا تسعى لخوض غمار السوق العربية من عدة مداخل، وأبرزها المدخل التاريخي عبر محاولة إحياء إرث الإمبراطورية العثمانية. يظهر ذلك جلياً في الدراما التي تنتجها وتصدرها إلى العالم العربي، بالإضافة إلى محاولاتها لتقديم نفسها كنموذج إسلامي يتبنى العلمانية ويدافع عن الدين الإسلامي والمقدسات العربية، مع الاستفادة من الأزمة الفلسطينية.

ومع ذلك، فإن التعاون بين الخليج وتركيا لا يخرج عن إطار النفوذ الغربي، وبشكل خاص الأميركي. فقد سمحت تركيا باستخدام قواعدها وموانئها لخدمة عمليات الجيش الأميركي والدعم اللوجستي، كما أفاد تقرير سري لوكالة الدفاع الأمريكية. يوضح التقرير أن الجنود والمعدات الجوية الأميركية الموجودة في تركيا تساهم في عمليات القيادة الأميركية في أوروبا والقيادة المركزية، بما في ذلك العمليات في العراق وسوريا.

ختاماً

نشهد اليوم انتقال العلاقات الدفاعية بين الخليج وتركيا من مرحلة رمزية إلى مرحلة عملياتية تشمل شراكات استراتيجية في مجالات تسليح، إنتاج مشترك، تدريبات، وتموضع عسكري. هذه المرحلة تتسم بالمنفعة المتبادلة، حيث يستفيد الخليج من التكنولوجيا التركية ويعزز تنوعه الاستراتيجي، بينما تكسب تركيا موطئ قدم كبير في الخليج، مما يعزز مكانتها كقوة إقليمية.

بعض دول الخليج، مثل السعودية والإمارات، تأمل في جعل الشراكة مع تركيا نقطة انطلاق لتوطين الصناعات الدفاعية، مع التركيز على التصنيع المشترك بدلاً من الاعتماد فقط على الاستيراد. ومع ذلك، يتعين أخذ المنافسة مع الشركات الغربية بعين الاعتبار، حيث تخشى هذه الشركات من فقدان السوق الخليجية لمصلحة الصناعات التركية.

الصين… من الاقتصاد إلى الأمن

تطورت العلاقات الخليجية-الصينية لتشمل مجالات جديدة مثل الذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، والطائرات المسيرة منذ عام 2016، مما يعكس الشكوك الخليجية المتزايدة حول الالتزام الأميركي بعد عام 2019. كما تهدف دول الخليج إلى توطين التصنيع العسكري في إطار “رؤية السعودية 2030” والاستراتيجية الدفاعية الإماراتية. من الجدير بالذكر أن الصين قامت بوساطة ناجحة بين السعودية وإيران في عام 2023.

شملت مجالات التعاون الدفاعي الطائرات المسيّرة الصينية مثل CH-4 وWing Loong التي اشترتها السعودية والإمارات، بالإضافة إلى تدريبات مشتركة مثل “درع الصقر”. كما شهدت العلاقات مع الإمارات وقطر تعاوناً في مجالات الأمن السيبراني والبنى الرقمية.

لكن هناك حدود لهذا الدور الصيني، تشمل الضغوط الأميركية ضد التعاون الخليجي مع “هواوي”، وعدم رغبة الصين في إنشاء مظلة أمنية بديلة عن الولايات المتحدة، بالإضافة إلى محاولتها للحفاظ على توازن علاقاتها مع الرياض وطهران.

روسيا… بين “أوبك+” وبناء شراكة استراتيجية

شهدت العلاقات الخليجية-الروسية توسعاً ملحوظاً بفضل التنسيق في مجال النفط من خلال “أوبك+”، وامتناع الخليج عن الانخراط في العقوبات على روسيا. هذا الأمر فتح آفاقاً جديدة لحوار أمني واستراتيجي.

حالياً، التعاون الدفاعي مع روسيا يشمل اتفاقيات إطار دفاعي تبرمها السعودية منذ 2021، مع عدم وجود صفقات ثقيلة معلنة. الإمارات تمتلك منظومة بانتسير-S1 منذ أكثر من عشر سنوات. بينما اقتصر التعاون الدفاعي مع قطر والكويت على مذكرات تفاهم منذ 2017 وحتى 2023. تجري سلطنة عمان تدريبات بحرية مشتركة مع البحرية الروسية ودول متعددة الأطراف.

رغم تفوق روسيا في مجالات معينة، لا يزال التعاون الدفاعي مع دول الخليج يسير تحت تأثير التفاعلات الجيوسياسية العالمية.

تظهر اعتماد روسيا على مسيّرات إيرانية في أوكرانيا تقاعسها في مجال الطائرات المسيرة، مما يجعلها شريكًا إضافيًا بدلاً من كونها بديلاً تقنيًا عن تركيا أو الصين.

على الصعيد الجيوسياسي، تسعى موسكو إلى تعزيز شراكتها السياسية والاستراتيجية مع دول الخليج، وملء الفراغ الذي خلفته الولايات المتحدة. تهدف إلى تعزيز التعاون في مجالات الطاقة والأمن الغذائي والممرات البحرية، مما يبرز أهمية القمة الروسية-العربية في فتح آفاق جديدة للحوار الاستراتيجي الطويل الأمد.

خاتمة

من خلال مراقبة الاتجاه الخليجي نحو باكستان وتركيا، ونحو الصين وروسيا على الصعيد الدولي، يتضح أن الخليج لا يتخلى عن الولايات المتحدة، بل يسعى لبناء هندسة أمنية متعددة الأقطاب. تشمل هذه التوجهات شراكة تقليدية مع الولايات المتحدة، شراكة صناعية–دفاعية مع تركيا، شراكة تكنولوجية–اقتصادية مع الصين، وشراكة سياسية–استراتيجية مع روسيا.

تشير الأدبيات إلى “ثورة الشؤون العسكرية” التي تعمل على تحويل الحرب من الكم إلى النوع. لذلك، تسعى دول الخليج إلى إقامة شراكات تعزز من قدراتها المحلية عبر نقل المعرفة، وليس مجرد شراء الأسلحة. يساعد هذا التوازن دول الخليج على المناورة ضمن نظام دولي متحول، مع الحفاظ على استقلالية القرار الأمني، ويعزز من بناء القدرات الذاتية عن طريق الإنتاج المشترك وتوطين الصناعات الدفاعية.


[1] Financial Times, “Saudi Arabia Seeks Firm Security Commitments from Washington,” October 16, 2024.

[2] Anadolu Agency. “Saudi Arabia Signs Largest Defense Deal in Turkish History.” July 2023.

[3] Qatar Ministry of Defense. Barzan–Aselsan Joint Announcement. 2018.

[4] IDEX 2025 Official Releases. “TUSAŞ–Calidus MOU on Advanced Drone Platforms.”

[5] Financial Times. “Gulf Doubts over U.S. Security Guarantees.” 2024.

[6] Xinhua News Agency. “China Hosts Saudi–Iranian Agreement Signing.” March 2023.

[7] Military Balance Database (IISS). “Chinese UAV Exports to Gulf States.” 2023.

[8] Xinhua. “Falcon Shield Joint Training Between UAE and China.” July 2024.

[9] UAE Cyber Security Council. China–UAE Digital Security Cooperation. 2022.

[10] U.S. State Department. “Guidance on Huawei Use by Allies.” 2021.

[11] Radio Free Europe/Radio Liberty. “Saudi–Russian Military Cooperation Agreement Signed.” August 2021.

[12] SIPRI Arms Transfers Database. “UAE Procurement of Pantsir-S1.” 2013–2014.

[13] Qatar News Agency; Kuwait Official Gazette (2023).

[14] Oman Ministry of Defense. “Oman–Russia Naval Cooperation Activities.” 2025.

[15] Kyiv Independent. “Russia’s Use of Iranian Drones in Ukraine.” 2022.

[16] Vinod Anand. Revolution in Military Affairs and the Future of Warfare. Institute for Defense Studies and Analyses, 2020.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى