
العقيد الركن م. ظافر مراد
في أعقاب تصريحات الرئيس الأميركي بايدن، أصبح إعلان وجود الصين كأخطر تهديد للنظام العالمي واضحًا. هذا التكرار من قبل مساعديه يشير إلى أن الأحداث الحالية تعد تمهيدًا لتفجر الحرب العالمية الثالثة. يمكن القول إن هذه الحرب قد بدأت بالفعل، حيث تتجلى بوضوح في الصراع الروسي-الأوكراني، الذي تقوده الولايات المتحدة بمشاركة حلفائها الغربيين وحلف الناتو. تعمل الولايات المتحدة على تنفيذ استراتيجيات معقدة بحذر، مصممة لتكون القائدة في مجالات الأمن والاقتصاد الدولي، وتمتلك تأثيرًا بالغًا في تحديد مستقبل العالم.
تبدو الدول الأوروبية حاليًا في موقفٍ ضعيف، حيث تسيطر الولايات المتحدة على قراراتها في هذه المسألة. ومع توغلها تدريجياً في مواقف قد تكون غير مدروسة العواقب، يتضح أن هناك تناقضات أخلاقية وانقسامات حول سبل المواجهة المطلوبة، وهو أمر قد يكون مضادًا لمصالحها الاقتصادية. تجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة هي أساس “الواقعية السياسية” التي تضع مصلحتها الشخصية فوق أي اعتبار آخر.
أصبحت الصين بواسطة قوتها الاقتصادية المتمادية في جميع أنحاء العالم، وقدراتها العسكرية والفضائية المتنامية، قادرة على تهديد الأحادية الأميركية وإيقاف نفوذها في مناطق متعددة
بفضل قوتها الاقتصادية المتزايدة، إستطاعت الصين أن تشكل تهديداً جدياً للأحادية الأميركية، وهو ما يتجلى من خلال جبهة غير معلنة تجمعها مع روسيا والدول الأخرى التي ترفض السياسة الخارجية للولايات المتحدة، مثل إيران وكوريا الشمالية. هنا تظهر جبهتين رئيسيتين: الأولى تقودها الولايات المتحدة والثانية بقيادة الصين، رغم أن روسيا هي الضالع حالياً في الأحداث. Nonetheless، تبقى الصين العدو الأول لأميركا، حيث تمثل تهديداً اقتصادياً بارزاً وتحقق تقدمًا عسكريًا سريعًا يمكنها من التفوق العالمي في القريب العاجل.
تتجاوز ديون الولايات المتحدة للصين عتبة 2.7 تريليون دولار، حيث تعتمد الصين على سياسة الديون لتعزيز نفوذها في الدول النامية وأوروبا. تُعتبر أيضًا أكبر مقرض لأفريقيا، حيث تتجاوز ديون القارة 400 مليار دولار. في خضم الأزمات الاقتصادية التي تفاقمت نتيجة جائحة كورونا، تعاني الدول الغربية من ارتفاع حاد في الديون، حيث تقدر ديون الولايات المتحدة حوالي 30 تريليون دولار، في حين تخطت ديون منطقة اليورو 11 تريليون يورو. بينما تتابع صانعي القرار في الولايات المتحدة بقلق نمو الاقتصاد الصيني ومد نفوذه في التجارة والاستثمار العالمي، تشعر أميركا بتهديد جدي لوضعها الريادي في الاقتصاد العالمي وقوة عملتها الدولار.
منذ عام 1945، جاءت اتفاقية بروتون وودز لتضع نظامًا نقديًا عالميًا مرتبطًا بالدولار الذي كان مرتبطًا بالذهب. لكن الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون في عام 1971 قرر تحرير الدولار من الالتزامات الذهبية، مما جعله يعتبر أن القوة الاقتصادية الأميركية لا تحتاج إلى تغطية من هذا النوع.
تعتبر اتفاقية بروتون وودز من اللحظات الفارقة في التاريخ المالي، حيث أصبح الدولار الأميركي منذ عام 1971 العُملة السائدة في العالم. يفرض الدولار نفسه كعملة أساسية في التجارة العالمية، فحتى النفط ومختلف السلع التجارية تخضعان لقواعده. من الصعب تحديد كمية الدولارات المتداولة عالمياً، لكن ما يميزها هو عدم وجود تغطية فعلية لها بالذهب أو أي نوع من الضمانات، بل تعتمد بشكل رئيسي على القوة والثقة في هذه العملة. في الوقت الحالي، يتعرض الدولار لتهديدات غير مسبوقة، ولا يمكن التغلب على هذا التهديد إلا بتغيرات جذرية في توازنات القوى العالمية.
في خضم العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا، تهدف الولايات المتحدة وحلف الناتو إلى إطالة أمد النزاع، مما يرهق الجيش الروسي. بينما تسبب العقوبات الغربية في ارتفاع حاد لأسعار الغاز والنفط، تستفيد منه روسيا بشكل غير مباشر. في المقابل، تعاني الدول الأوروبية من صعوبات في البحث عن مصادر طاقة بديلة بأسعار تنافس تلك الروسية. من الواضح أن موسكو كانت مستعدة لجملة الإجراءات المتوقعة، حيث بدأت في نقل الغاز والنفط إلى الهند والصين بأسعار تنافسية.
عسكرياً، من المؤكد أن روسيا ستتوسع في السيطرة على الأراضي الأوكرانية، ومن المستبعد أن تتمكن أي قوة من استعادة هذه الأراضي دون خوض حرب شاملة. يبدو أن الولايات المتحدة تتجه نحو إشعال فتيل حرب عالمية ثالثة تستهدف أساساً الصين. إن هذه الحرب ستكون متعددة الأبعاد، تشمل المواجهات العسكرية والسيبرانية والاقتصادية والثقافية.
مع استمرار النزاعات، سنشهد انقساماً عميقاً في العالم، شبيهاً بالفترة السابقة على انهيار الاتحاد السوفياتي. ستمتد الصراعات من أوروبا إلى آسيا، حيث ستصبح قوى مثل روسيا والصين محوراً للأحداث، مما يزيد من حدة التوترات العالمية حول قضايا الطاقة. المناطق التي تقع في هذه الفواصل ستكون عرضة لأزمات وحروب دامية.
وعلى صعيد خاص، تظل منطقة الشرق الأوسط، الغنية بالموارد، ضمن إطار المخططات الغربية. من الممكن أن يتحقق ذلك من خلال قبول الدول في المنطقة للسيطرة الأميركية، مما سيعيد تشكيل الخرائط وفقاً للمصالح الجديدة في الساحة العالمية.
الحرب ليست مجرد صراع تقليدي، بل يمكن أن تؤدي إلى تغييرات جذرية في الأنظمة القائمة. فيما يتعلق بمنطقة آسيا الوسطى والقوقاز، تعتبر هذه المناطق حديقة خلفية لكل من روسيا والصين. إن أي اضطراب في هذه المنطقة سيؤدي إلى نتائج مثمرة لمن يسعى لذلك.
في أوروبا، ستمر الدول بشتاءٍ قاسٍ، مما يجعلها الأكثر تضرراً. كما سيواجه العالم بأسره أزمة اقتصادية وغذائية طويلة الأمد، ما سيُحدث تغييرات غير متوقعة على جميع الأصعدة. هذه التغييرات لن تشمل فقط أساليب العيش، بل ستطال أيضًا العادات الاجتماعية وتفاعلات الثقافات المختلفة.
هذه ليست حرباً تقليدية، بل هي صراع شامل يمتد لفترة طويلة، ويؤثر على التفاصيل الدقيقة في حياتنا اليومية وعاداتنا. السيناريو يبدو مرعباً، وخصوصاً مع تزايد احتمالات حدوثه. الأحداث الجارية تُظهر أنه سيكون من الصعب وقف هذه التداعيات، ومعها، لا يمكن إعادة الوضع إلى ما كان عليه سابقًا.







