
أ.د. غادة عامر
وكيل كلية الهندسة للدراسات العليا والبحوث – جامعة بنها
زميل ومحاضر كلية الدفاع الوطني – أكاديمية ناصر العسكرية العليا
في عام 1945م، اعترفت ستة دول بشكل علني بتطويرها وامتلاكها للأسلحة البيولوجية، ورغم التهديدات التي تحملها، لا تزال تلك الأسلحة تستخدم بدرجة محدودة. يعود ذلك إلى المخاوف من عدم القدرة على السيطرة على نطاق انتشارها وخطرها على مستوى عالمي. لهذا السبب، تشددت القيود الدولية، حيث تم حظر هذا النوع من الأسلحة بموجب عدة اتفاقيات، مثل اتفاقية الأسلحة البيولوجية لعام 1972م، التي وقعتها أغلب الدول.

في السنوات الأخيرة، ساهمت التطورات في تكنولوجيا تعديل الجينات، مثل تقنية “كريسبر CRISPR”، في إحداث تغييرات هائلة. تمثل هذه التقنية أدوات يستخدمها العلماء لتعديل الـ DNA والـ RNA في الكائنات الحية. على الرغم من وجود تقنيات سابقة، إلا أن كريسبر قدمن تحسينات ملحوظة من حيث السرعة والكفاءة. باستخدام هذه التقنية، يمكن للعلماء معالجة الأمراض وتحسين المحاصيل الزراعية بطرق لم تكن ممكنة من قبل.
ومع هذه الفوائد الكبيرة، يبرز القلق من الاستخدامات الخطيرة. يمكن أن يؤثر الوصول إلى هذه التقنيات على الحدود الأخلاقية، حيث قد تلجأ بعض المختبرات إلى تعديل الأجنة لتحقيق مزايا غير مبررة. والأخطر من ذلك، يمكن أن تقع هذه التقنيات في أيدي دول غير مسؤولة أو جماعات إرهابية، مما قد يسهل تطوير مسببات أمراض جديدة أو معدلة، مما يزيد من مخاطر الأوبئة.
تُعتبر تقنية “كريسبر” وسيلة محورية يُمكن أن تسهم في تطوير أسلحة بيولوجية قادرة على استهداف مجموعات معينة وفقًا لخصائص مثل العرق أو اللون، أو مزايا وراثية أخرى. لا تعد فكرة استخدام الأسلحة البيولوجية في النزاعات العرقية حديثة العهد، بل تمت تجربتها في الماضي. على سبيل المثال، في السبعينيات، قامت وكالة المخابرات في روديسيا (والتي تُعرف اليوم بزيمبابوي) بتلويث المياه بالكوليرا في المناطق المُسيطر عليها من قبل المتمردين القوميين السود.
في عام 1981، أطلقت حكومة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا مشروع “Project Coast”، الذي يُعتقد أنه استخدم أسلحة بيولوجية في تنفيذ عمليات اغتيال ضد المعارضين وقدم لقاحًا مُستهدفًا ضد العقم للنساء من أصول إفريقية. تدل هذه الحوادث على الاهتمام المتزايد بإنتاج أسلحة بيولوجية مخصصة لاستهداف عرق أو مجموعة معينة.
وفي نوفمبر 1998، كشفت صحيفة صنداي تايمز عن سعي إسرائيل لتطوير “قنبلة عرقية” تعتمد على عوامل بيولوجية تستهدف جينات السكان العرب. هذا التقرير تبنته Wired News مُشيرة إلى أن تحرير الجينات يُمكن أن يُسهل تنفيذ اغتيالات مُستهدفة، حيث من الممكن تعديل الجينات بحيث تؤثر على أهداف معينة بناءً على تسلسلها الجيني.
في عام 2004، تناولت صحيفة الجارديان الموضوع ضمن إطار اعتبر أن الأسلحة البيولوجية المُصممة لاستهداف مجموعات عرقية معينة ليست بعيدة المنال. وفي مايو 2007، أفادت صحيفة كوميرسانت الروسية بأن الحكومة الروسية منعت تصدير العينات البيولوجية البشرية نتيجة تقرير سري صادرت السلطات الروسية حول تطوير “أسلحة بيولوجية جينية”. وجاء الحظر في ضوء المخاوف من أن المؤسسات الغربية تقوم بتطوير أسلحة تستهدف السكان الروس.
عمل الكونغرس الأمريكي في عام 2008 على تنظيم لجنة نقاش حول “علم الوراثة وتعديل البشر: سلامة الاستخدام أم سباق تسلح جديد؟”، حيث تم تناول المخاطر المتعلقة بتلاعب في علم الوراثة والذي قد يتسبب في أذى للبشرية إذا وقع في أيدي دول مارقة أو جهات فاعلة غير حكومية. في عام 2016، اقترحت مجلة “فورين بوليسي” فكرة استخدام فيروس كسلاح بيولوجي عرقي يُمكن أن يتسبب في تعقيم السكان المرتبطين وراثيًا.
الأمر الأكثر إثارة للغاية هو ما تم ذكره في عام 2012 في مجلة الأتلانتيك، حيث تم التطرق إلى إمكانية وجود فيروس يُستهدف به أفراد بموجب تسلسل معين من الحمض النووي. كما تم الاشارة إلى بدء تجارب قليلة على هذه التقنية، وطرحت المجلة سيناريو افتراضي لفيروس يُسبب أعراضًا خفيفة للجمهور، لكن قد تؤدي أضراره إلى موت رئيس الولايات المتحدة الأمريكية فقط!







